بينما تحتفل الحكومات الأوروبية بتراجع أعداد المهاجرين الواصلين إلى سواحل القارة، تتكشف في دول العبور صورة مختلفة تماما. ففي مصر، التي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى شريك رئيسي للاتحاد الأوروبي في ملف الهجرة، يواجه عشرات الآلاف من اللاجئين السودانيين واقعا أكثر قسوة يتمثل في الاعتقالات والترحيل والخوف الدائم من الملاحقة الأمنية.
ومع دخول الميثاق الأوروبي الجديد للهجرة واللجوء حيز التنفيذ، تتجدد الأسئلة بشأن الثمن الإنساني الذي يدفعه اللاجئون خارج الحدود الأوروبية مقابل تحقيق أهداف بروكسل في الحد من الهجرة غير النظامية.
السودان.. حرب تدفع الملايين إلى النزوح
منذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل/نيسان 2023، فر ملايين السودانيين من مناطق القتال بحثا عن ملاذ آمن في الدول المجاورة.
وكانت مصر الوجهة الطبيعية لكثير من الفارين بحكم الجوار الجغرافي والروابط الاجتماعية والتاريخية بين البلدين. وتشير التقديرات الرسمية المصرية إلى دخول أكثر من 1.5 مليون سوداني منذ بداية الحرب، ما جعل القاهرة واحدة من أكبر مدن اللجوء السوداني في العالم.
لكن هذا التدفق الكبير تزامن مع أزمة اقتصادية خانقة تعيشها مصر، الأمر الذي ساهم في تصاعد الضغوط السياسية والأمنية المرتبطة بملف اللاجئين.
أوروبا تنقل حدودها إلى الخارج
خلال العقد الأخير تبنى الاتحاد الأوروبي سياسة تقوم على منع المهاجرين من الوصول إلى أراضيه قبل انطلاق رحلاتهم نحو أوروبا.
ولهذا الغرض وقعت بروكسل سلسلة اتفاقيات مع دول شمال أفريقيا، تقوم على تقديم الدعم المالي والتقني مقابل تشديد الرقابة على الحدود ومكافحة شبكات التهريب واحتواء تدفقات المهاجرين.
وفي حالة مصر، شهد التعاون قفزة كبيرة منذ عام 2022 مع إطلاق برامج دعم لمراقبة الحدود، قبل أن يتوسع في عام 2024 عبر شراكة استراتيجية تتضمن مليارات اليوروهات من المساعدات والاستثمارات، بينها تمويل مخصص لإدارة ملف الهجرة.
ويرى مؤيدو هذه السياسة أنها ساهمت في خفض أعداد المهاجرين الواصلين إلى أوروبا، بينما يعتبر منتقدوها أنها نقلت عبء إدارة الهجرة إلى دول تعاني أصلا من أزمات اقتصادية وحقوقية معقدة.
انخفاض أعداد المهاجرين.. ولكن بأي ثمن؟
تشير البيانات الأوروبية إلى تراجع ملحوظ في أعداد العابرين للبحر المتوسط خلال السنوات الأخيرة، وهو ما تعتبره بروكسل دليلا على نجاح استراتيجيتها.
غير أن منظمات حقوقية ترى أن هذه الأرقام لا تعكس سوى جزء من الصورة، إذ إن انخفاض أعداد الوافدين إلى أوروبا ترافق مع زيادة الضغوط على المهاجرين واللاجئين داخل دول العبور.
وفي مصر، تتحدث تقارير حقوقية عن تصاعد عمليات التوقيف والترحيل بحق السودانيين، بما في ذلك أشخاص يحملون وثائق إقامة أو بطاقات صادرة عن مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.
الترحيل إلى بلد ما زالت الحرب تمزقه
تكمن المعضلة الأساسية في أن كثيرا من السودانيين المرحلين يعودون إلى بلد لا تزال الحرب دائرة فيه، خصوصا في مناطق تشهد انتهاكات واسعة النطاق ونزوحا جماعيا.
ويعتبر خبراء القانون الدولي أن إعادة اللاجئين إلى أماكن قد يتعرضون فيها للخطر تتعارض مع مبدأ “عدم الإعادة القسرية”، وهو أحد المبادئ الأساسية في القانون الدولي للاجئين.
وتقول منظمات حقوقية إن بعض المرحلين يوقعون على وثائق تصف عودتهم بأنها “طوعية”، إلا أن هذه الإجراءات تتم أحيانا في ظروف احتجاز وضغوط تجعل مفهوم الطوعية محل تشكيك كبير.
خوف يومي يغير حياة اللاجئين
بعيدا عن النقاشات السياسية والقانونية، ينعكس هذا الواقع على الحياة اليومية لعشرات الآلاف من السودانيين في مصر.
فكثيرون باتوا يتجنبون التنقل بحرية أو الذهاب إلى أماكن التجمع، فيما يفضل آخرون البقاء داخل منازلهم خشية التوقيف. كما تأثرت قدرة العديد منهم على العمل أو متابعة الدراسة أو الحصول على الخدمات الأساسية.
وبالنسبة لعائلات هربت أصلا من الحرب، فإن الخوف من الترحيل أصبح امتدادا لمعاناة بدأت في السودان ولم تنته عند الحدود المصرية.
معادلة صعبة بين الأمن والحقوق
تجد مصر نفسها أمام تحديات حقيقية تتعلق باستقبال أعداد كبيرة من اللاجئين في ظل أوضاع اقتصادية صعبة، بينما يسعى الاتحاد الأوروبي إلى حماية حدوده وتقليص تدفقات الهجرة.
غير أن منظمات حقوقية تحذر من أن نجاح السياسات الأمنية لا يمكن قياسه فقط بعدد المهاجرين الذين لم يصلوا إلى أوروبا، بل أيضا بمدى احترام حقوق الأشخاص الذين يتم احتجازهم أو إعادتهم أو منعهم من العبور.
وفي ظل استمرار الحرب في السودان وتزايد اعتماد أوروبا على دول الجوار لاحتواء الهجرة، تبدو معاناة اللاجئين السودانيين في مصر واحدة من أبرز النتائج الإنسانية لسياسة أوروبية تنقل إدارة الحدود إلى ما وراء حدودها الجغرافية.






