بينما تتواصل الحرب الطاحنة في السودان منذ أبريل 2023، يزداد ثقلها على كاهل المدنيين الذين وجدوا أنفسهم في قلب معركة لا تعنيهم. ملايين السودانيين يصفونها بـ”الكارثة”، معتبرين أنها حرب تخدم أجندة جماعة إيديولوجية لا تتردد في التضحية بالشعب من أجل بقائها السياسي.
ويرى مراقبون أن هذه المواجهات ما هي إلا استنزاف للموارد والأرواح، فيما تزداد معاناة المواطنين تحت وطأة النزوح والجوع وانهيار الخدمات الأساسية.
معارضة إخوانية صريحة
في مواجهة المبادرة الأخيرة للمجموعة الرباعية (الولايات المتحدة، مصر، السعودية، الإمارات)، شنت منصات تابعة لتنظيم الإخوان حملة تحريضية واسعة، رافضة أي هدنة بوساطة خارجية.
الخطاب الإخواني، كما يراه خبراء، يعكس إصراراً على استمرار الحرب، متجاهلاً النداءات الدولية المتكررة لوقف إطلاق النار. ويقول خالد عمر يوسف، نائب رئيس حزب المؤتمر السوداني وقيادي بتحالف “صمود”، إن الرفض الإخواني ليس جديداً، إذ سبق أن هاجم قادة التنظيم مبادرات جدة والمنامة وجنيف، وكذلك مساعي الاتحاد الإفريقي وإيغاد.
بيانات صريحة تدعو للحرب
الموقف الإخواني تجلى في تصريحات قيادات بارزة مثل أحمد هارون وعلي كرتي، اللذين أعلنا رفضهما للمبادرة الرباعية بشكل واضح، مؤكدين تمسكهم بخيار الحرب.
ويشير يوسف إلى أن “كلما لاح أفق للسلام في السودان، يسعى الإخوان إلى إجهاضه، تماماً كما فعلوا مراراً في الماضي”.
هذا التوجه ينسجم مع خطاب حكومة بورتسودان، التي اعتبرت على لسان وزير إعلامها خالد الإعيسر أن بيانات المجتمع الدولي وعقوباته “لا قيمة لها”، ما يعكس رفضاً غير معلن للانخراط في مسار سياسي بديل عن المواجهات العسكرية.
واشنطن: لا عودة للإخوان إلى السلطة
في موقف لافت، أكدت وزارة الخارجية الأميركية أنها ستستخدم جميع أدواتها لضمان عدم عودة تنظيم الإخوان إلى السلطة في السودان.
وشددت على أن الجماعة لعبت دوراً محورياً في عرقلة الانتقال الديمقراطي، عبر تقويض الحكومة المدنية السابقة وإفشال الاتفاق الإطاري.
وأوضحت أن سلوك الإخوان ساهم بشكل مباشر في إشعال الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع، وأن استمرارهم في رفض أي تسوية سياسية يطيل أمد الأزمة ويضاعف معاناة الشعب.
دعم إقليمي ودولي متنامٍ
في المقابل، حظيت رؤية المجموعة الرباعية بدعم واضح من الاتحاد الإفريقي ومنظمة “إيغاد”، اللتين أكدتا أن المبادرة تتطابق مع خارطة الطريق الإفريقية.
كما شددتا على استعدادهما للتعاون مع المجتمع الدولي لإنهاء الحرب وإعادة السودان إلى الحكم المدني الدستوري.
أما مجلس التعاون الخليجي، فقد أشاد بالبيان الرباعي، مؤكداً التزامه بدعم جهود السلام وحماية سيادة السودان ووحدته، إلى جانب رفع المعاناة عن شعبه وضمان الحفاظ على مؤسسات الدولة من الانهيار.
الحرب كأداة للبقاء السياسي
يرى الخبير السياسي د. الطيب عبد الله أن تمسك الإخوان بخيار الحرب ليس بدافع وطني، بل وسيلة لضمان بقائهم في المشهد السياسي.
ويقول: “الجماعة تدرك أن أي عملية سلام حقيقية ستُقصيها من السلطة، لذلك تعمل على استمرار النزاع، حتى لو كان الثمن هو انهيار الدولة السودانية بالكامل.”
ويؤكد الخبير الاقتصادي د. محمد عبد الرحيم أن استمرار الحرب يضرب الاقتصاد السوداني في مقتل، إذ تراجعت الصادرات، وتعطلت شبكات الإنتاج، وتفاقم التضخم.
ويضيف: “الإخوان يدركون أن وقف إطلاق النار قد يعيد السودان لمسار الإصلاح الاقتصادي والديمقراطي، وهو ما لا يخدم أجندتهم التي تزدهر فقط في الفوضى.”
خطاب تعبوي يطيل أمد الأزمة
من جانبه، يعتبر الباحث في شؤون الحركات الإسلامية معتز الأمين أن اللغة التعبوية التي يستخدمها الإخوان تهدف إلى إبقاء قواعدهم الشعبية في حالة استنفار.
ويوضح: “الخطاب القائم على الشحن العاطفي والعداء للخارج يسهل عملية غسل الأدمغة، ويخلق بيئة رافضة لأي حل سياسي.”
المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي
فيما يرى الخبير في العلاقات الدولية د. أحمد فضل أن مواقف الإخوان وضعت المجتمع الدولي أمام تحدٍ خطير، قائلاً: “إذا لم يتم فرض آليات صارمة لوقف الحرب، فستظل المبادرات الدولية مجرد بيانات شكلية، بينما يدفع الشعب السوداني الثمن الأكبر.”
السودان بين خيارين
بحسب المحلل الاستراتيجي اللواء المتقاعد عبد الباسط سليمان، يقف السودان اليوم على مفترق طرق: إما السير في طريق السلام والانتقال المدني، أو الاستمرار في دوامة الحرب التي يصر عليها الإخوان.
ويؤكد: “القرار النهائي بيد السودانيين أنفسهم، لكن استمرار تغذية الحرب من قبل جماعة ذات مشروع أيديولوجي عابر للحدود، يهدد ليس فقط السودان، بل استقرار المنطقة بأكملها.”






