دخل الاستقرار التعليمي في ليبيا نفقاً مظلماً عقب إعلان نقابة معلمي ومعلمات ليبيا الإضراب العام في المدارس كافة بدءاً من الأحد 27 سبتمبر، رداً على ما اعتبرته تعاملاً غير جاد من وزارة التربية والتعليم بحكومة الوحدة الوطنية مع حقوق الكادر التدريسي. ويضع هذا التصعيد الميداني خريطة الطريق الحكومية في مواجهة حاسمة مع النقابات، وسط صراع يمتد من تحسين الأجور والتأمين الصحي إلى معالجة اختلالات الهيكلة الموازنية لقطاع يضم مئات الآلاف من الموظفين.
انسحاب النقابات وشلل الانطلاقة الدراسية
فشل المفاوضات واللجوء للإضراب: جاء قرار الإضراب الشامل وتوقف التدريس عقب انسحاب ممثلي المعلمين بالمنطقة الغربية من اجتماع الوزارة، محذين من الاستمرار في اتخاذ قرارات مالية انتقائية لجهات أخرى وتجاهل استحقاقات المعلمين المادية والمعنوية.
الموقف الحكومي والتمسك بـ “خارطة الطريق”: تصر وزارة التربية والتعليم بقيادة محمد القريو على الاستمرار في العملية التعليمية، معتمدة على الحوار واللقاءات التنسيقية مع رئاسة الوزراء لوضع رؤية تنفيذية تعالج التحديات الإستراتيجية دون التوصل حتى الآن لتسوية مالية مُلزمة تنهي الإضراب.
مطالب هيكلية وتجاوز عقدة “الوعود الشفهية”
حزمة المكتسبات المالية والوظيفية: تتركز مطالب النقابات في توحيد جدول المرتبات، صرف الفروقات والمتأخرات المالية، تسوية الأوضاع الوظيفية، تفعيل علاوة الحصة ومكافآت الإداريين، إلى جانب توفير التأمين الصحي الشامل للحماية من أخطار المهنة وفق القانون رقم 4 لسنة 2018.
المرونة التفاوضية واشتراط التنفيذ الفعلي: أبدت النقابات استعداداً لتقسيط صرف المبالغ المترتبة على الفروقات المالية إذا تطلب الأمر موازنات ضخمة، مشددة في الوقت نفسه على أن العودة لقاعات التدريس مرهونة بقرارات تنفيذية ملموسة لا بمجرد وعود حبر على ورق.
أزمة الهيكلة الموازنية والتحدي التنفيذي
تضخم فاتورة المرتبات: تعكس بيانات المجلس الوطني للتطوير الاقتصادي والاجتماعي بالتعاون مع “اليونيسيف” خللاً هيكلياً في الإنفاق التعليمي؛ إذ تلتهم الرواتب نحو 91% من الموازنة مقابل 7% فقط للنفقات الرأسمالية والتطويرية، مما يقلص مساحة المناورة المالية أمام الحكومة لتلبية المطالب وتحسين البيئة المدرسية بالتوازي.
غياب الجداول الزمنية للحلول: رغم إطلاق الحكومة مسارات متعددة كـ “خارطة الطريق” واللجنة الوطنية لحصر الاحتياجات والإستراتيجية الوطنية للصحة المدرسية 2026-2030، يظل غياب آليات التنفيذ المحددة زمنياً هو العائق الرئيسي أمام بناء الثقة وتجنب تكرار الأزمات مع مطلع كل عام دراسي.
يُظهر هذا الانسداد أن ملف التعليم في ليبيا لم يعد مجرد أزمة مطالب فئوية، بل تحول إلى اختبار حقيقي لقدرة إدارة السياسات العامة بحكومة الوحدة الوطنية على ترتيب أولويات الإنفاق العام وإرساء الاستقرار الاجتماعي؛ حيث بات استمرار العام الدراسي مرهوناً بمدى قدرة السلطة التنفيذية على تحويل الوعود إلى تدفقات مالية تشمل مستحقات المعلمين المشروعة.






