يتجه لبنان وسوريا نحو مرحلة جديدة من إعادة تنظيم العلاقات الثنائية، مع استعداد مجلس الوزراء اللبناني لبحث مشروع إنشاء “مفوضية عليا مشتركة” بين الحكومتين، في خطوة تعكس تحولا سياسيا وإداريا لافتا بعد سقوط نظام بشار الأسد أواخر عام 2024، ووصول الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع إلى السلطة.
ويأتي المشروع في ظل مساعٍ متسارعة من بيروت ودمشق لإعادة صياغة العلاقة بين البلدين على أسس مختلفة عن تلك التي حكمتها لعقود خلال مرحلة النفوذ السوري في لبنان.
من اللقاءات الثنائية إلى الإطار المؤسساتي
فكرة إنشاء المفوضية ليست وليدة اللحظة، بل تشكل امتدادا لسلسلة من الاجتماعات والاتصالات السياسية التي شهدتها الأشهر الأخيرة، خصوصا خلال زيارتَي رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام إلى دمشق في أبريل ومايو 2026.
وخلال تلك اللقاءات، أعلن الجانبان رغبتهما في تشكيل لجان فنية ووزارية مشتركة لمعالجة الملفات العالقة بين البلدين، قبل أن تتطور الفكرة إلى مشروع إطار سياسي دائم يشرف على مختلف أوجه التعاون الثنائي.
ما هي “المفوضية العليا المشتركة”؟
في السياق العربي، تُعتبر المفوضية العليا المشتركة آلية سياسية وتنفيذية تجمع مسؤولين من دولتين بهدف تنسيق السياسات المشتركة، ومتابعة تنفيذ الاتفاقيات الثنائية، وتسوية الخلافات القطاعية.
ولدى لبنان نماذج مشابهة مع عدد من الدول العربية، أبرزها الأردن، حيث عقدت بيروت مطلع 2026 الدورة الثامنة للمفوضية العليا اللبنانية الأردنية، والتي أفضت إلى توقيع اتفاقيات في مجالات الطاقة والنقل والتجارة والزراعة.
لكن المفوضية المرتقبة مع سوريا تحمل أبعادا أكثر تعقيدا، نظرا للتاريخ السياسي الحساس بين البلدين، وما خلفته عقود الوصاية السورية من انقسامات داخل الساحة اللبنانية.
ملفات شائكة على الطاولة
بحسب المعطيات المتداولة، ستتولى المفوضية الجديدة الإشراف على سلسلة لجان متخصصة لمعالجة ملفات أمنية واقتصادية وحدودية وقضائية.
وتشمل أبرز القضايا المطروحة:
- مكافحة التهريب وضبط الحدود
- تحديث المعابر الحدودية وإعادة تنظيمها
- تسهيل عبور البضائع والنقل البري
- مشاريع السكك الحديدية والتعاون في قطاع الطاقة
- الربط الكهربائي وملف عبور الغاز
- توحيد المعايير الجمركية والفنية
- ملف المعتقلين والمفقودين بين البلدين
- عودة النازحين السوريين إلى بلادهم
- تنظيم العمالة السورية داخل لبنان
مراجعة إرث مرحلة الوصاية السورية
الرهان الأساسي لا يقتصر على التعاون التقني، بل يمتد إلى إعادة تقييم البنية السياسية والقانونية التي حكمت العلاقات الثنائية منذ تسعينيات القرن الماضي.
فبين البلدين أكثر من أربعين اتفاقية ومعاهدة ثنائية، إضافة إلى عشرات البروتوكولات القطاعية الموقعة خلال فترة الهيمنة السورية على القرار اللبناني.
وتبقى “معاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق” الموقعة عام 1991 الأكثر إثارة للجدل، إذ أرست آنذاك إطارا مؤسساتيا واسعا للعلاقة بين البلدين، وأدت إلى إنشاء المجلس الأعلى اللبناني السوري، الذي اعتبره خصوم دمشق لسنوات أداة لترسيخ النفوذ السوري داخل لبنان.
ورغم تراجع دور المجلس بعد انسحاب القوات السورية عام 2005، فإن الاتفاقيات التي أُبرمت خلال تلك المرحلة بقيت محل انتقاد واسع داخل الأوساط السياسية والاقتصادية اللبنانية.




