فاجأت إسرائيل العالم بالترحيب السريع بالتدخل الأميركي في فنزويلا والإطاحة بالرئيس نيكولاس مادورو، وهو ما يعكس أبعاداً سياسية وأمنية تتجاوز حدود أميركا اللاتينية، إذ سارعت تل أبيب إلى الاصطفاف العلني خلف واشنطن في واحدة من أكثر العمليات العسكرية إثارة للجدل منذ عقود.
إطاحة بديكتاتور المخدرات!
ووصف وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر ما جرى بأنه «إطاحة بديكتاتور قاد شبكة من المخدرات والإرهاب»، معتبراً الخطوة انتصاراً لقيم الديمقراطية وحرية الشعوب.
وكان أحد أبرز دوافع الترحيب الإسرائيلي يرتبط بموقف مادورو العدائي التقليدي من إسرائيل، إذ كانت فنزويلا في عهده من أشد منتقدي السياسات الإسرائيلية، وقطعت علاقاتها الدبلوماسية مع تل أبيب منذ سنوات، واصطفت سياسياً مع محور مناهض للولايات المتحدة يضم إيران وحلفاءها.
وترى إسرائيل أن سقوط مادورو قد يفتح الباب أمام عودة علاقات دبلوماسية طبيعية مع كاراكاس، أو على الأقل إنهاء حالة العداء السياسي التي ميزت المرحلة الماضية.
البعد الإيراني لإسرائيل
ويشكل البعد الإيراني عاملاً محورياً آخر في الموقف الإسرائيلي، فقد اتهمت تقارير غربية حكومة مادورو بتوثيق علاقاتها مع طهران، والتعاون معها في مجالات أمنية واقتصادية، وهو ما تنظر إليه إسرائيل باعتباره تهديداً غير مباشر لأمنها، حتى وإن كان في نطاق جغرافي بعيد، كما أن إزاحة نظام حليف لإيران تُعد مكسباً استراتيجياً لإسرائيل في صراعها الإقليمي والدولي مع طهران.
كذلك يعكس الترحيب الإسرائيلي حرص تل أبيب على تأكيد تحالفها الوثيق مع الولايات المتحدة، خصوصاً في ظل قيادة الرئيس دونالد ترمب، الذي أعلن بنفسه تنفيذ العملية العسكرية واعتقال مادورو.
وإضافة إلى ذلك، فإن الاصطفاف الإسرائيلي الواضح خلف واشنطن يندرج ضمن سياسة أوسع تقوم على دعم أي تحرك أميركي يندرج، من وجهة نظرها، ضمن «معسكر العالم الحر» في مواجهة الأنظمة التي تصفها بالمعادية أو الاستبدادية.
البعد الخطابي والمصالح السياسية
ولا يغيب البعد الخطابي عن الموقف الإسرائيلي، إذ استخدم ساعر لغة تركز على الديمقراطية وحقوق الشعوب، في محاولة لتقديم التدخل الأميركي باعتباره عملاً أخلاقياً قبل أن يكون عسكرياً، فهذا الخطاب يخدم إسرائيل في معركتها الإعلامية والدبلوماسية، عبر ربط خصومها السياسيين بتهم «الإرهاب» و«الديكتاتورية»، وتقديم نفسها جزءاً من تحالف دولي يسعى، بحسب روايته، إلى حماية الاستقرار العالمي.
جدير بالذكر أنه لا يمكن فصل الترحيب الإسرائيلي بإسقاط مادورو عن حسابات المصالح والتحالفات، أكثر من كونه موقفاً إنسانياً بحتاً، فإسرائيل ترى في ما جرى فرصة لإضعاف خصومها، وتعزيز علاقتها مع واشنطن، وربما إعادة رسم خريطة علاقاتها في أميركا اللاتينية، في لحظة فارقة تعيد إلى الأذهان تدخلات أميركية كبرى غيرت مسار دول وأنظمة بأكملها.
تحالفات سياسية واقتصادية
وتعد فنزويلا واحدة من أكثر دول أميركا اللاتينية توتراً في علاقتها مع الولايات المتحدة خلال العقدين الماضيين، خصوصاً في ظل حكم نيكولاس مادورو الذي ورث السلطة عام 2013 عن الرئيس الراحل هوغو تشافيز، وخلال هذه الفترة، تبنّت كاراكاس خطاباً معادياً لواشنطن، ونسجت تحالفات سياسية واقتصادية مع دول تُصنَّف خصوماً للولايات المتحدة، في مقدمتها إيران وروسيا، ما جعلها هدفاً دائماً للعقوبات والضغوط الأميركية.
وشهدت فنزويلا أزمات سياسية واقتصادية خانقة، تفاقمت مع اتهامات متكررة لمادورو بتزوير الانتخابات وقمع المعارضة، إلى جانب انهيار اقتصادي حاد رغم امتلاك البلاد أكبر احتياطي نفطي في العالم.
وتتهم واشنطن نظام مادورو بإدارة «دولة مخدرات» والتورط في شبكات تهريب عابرة للحدود، وهي اتهامات ينفيها الرئيس الفنزويلي، مؤكداً أن بلاده تتعرض لحرب سياسية واقتصادية تهدف للسيطرة على ثرواتها النفطية.
علاقة القطيعة والتوتر
أما إسرائيل، فقد اتسمت علاقتها بفنزويلا بالقطيعة والتوتر منذ سنوات، بعدما قطعت كاراكاس العلاقات الدبلوماسية معها واصطفت إلى جانب قوى إقليمية معادية لتل أبيب.
وترى إسرائيل أن أي تغيير في السلطة الفنزويلية قد يفتح المجال لإعادة تموضع سياسي جديد في أميركا اللاتينية، ويضعف نفوذ خصومها، وهو ما يفسر اهتمامها العلني بالتطورات الأخيرة وترحيبها بالتدخل الأميركي.






