في محاولة جديدة لكسر الجمود السياسي الذي يخيم على المشهد الليبي منذ سنوات، طرحت البعثة الأممية إلى ليبيا مساء الثلاثاء مبادرة سياسية تتضمن أربعة خيارات رئيسية، قالت إنها تشكل خارطة طريق محتملة لإجراء الانتخابات العامة المنتظرة، وإنهاء المرحلة الانتقالية الممتدة منذ عام 2011، والتي فشلت حتى الآن في تحقيق استقرار حقيقي للبلاد.
الخيارات المقترحة، التي جاءت بناءً على عمل اللجنة الاستشارية المشتركة بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، تمثل بحسب البيان الأممي “نقطة انطلاق لحوار وطني شامل”، يهدف إلى تجاوز الانسداد السياسي الذي حال دون إجراء الانتخابات منذ ديسمبر 2021.
4 مسارات للخروج من المأزق
بعد ثلاثة أشهر من المشاورات المكثفة وعقد أكثر من عشرين اجتماعاً في طرابلس وبنغازي، خلصت اللجنة الاستشارية إلى تقديم أربعة خيارات مهمة، وهي:إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية في وقت واحد، وتنظيم الانتخابات البرلمانية أولاً، ثم إقرار دستور دائم، وكذلك اعتماد دستور دائم أولاً، يليه تنظيم الانتخابات، وأيضا تشكيل لجنة حوار سياسي جديدة وفق الاتفاق السياسي الليبي لصياغة الإطار القانوني والدستوري اللازم.
تهدف هذه الخيارات إلى تجاوز العقبات التقنية والسياسية التي أعاقت الانتخابات، مثل الجدل حول شروط الترشح، وتزامن المسارين الرئاسي والتشريعي، وشرعية الحكومة المشرفة على العملية الانتخابية.
ردود الفعل الليبية
رغم أهمية الطرح، قوبلت المبادرة بتباين في ردود الفعل من القوى السياسية الليبية. ففي شرق البلاد، رحبت بعض الأصوات البرلمانية بالمقترحات، لكنها شددت على ضرورة “إنهاء الانقسام الحكومي” كشرط أولي. أما في الغرب، فطالب بعض القادة بضرورة مراعاة الأطر الدستورية والقانونية الموجودة، مع تخوفات من أن تُستخدم المبادرة لتأجيل الانتخابات مجدداً.
وبموازاة المساعي السياسية، يشهد المشهد الأمني الليبي تصعيداً في وتيرة الاشتباكات المسلحة. فقد اندلعت مواجهات عنيفة في ضواحي طرابلس بين مجموعات مسلحة موالية لحكومة الوحدة، في وقت أفادت مصادر محلية بوقوع اشتباكات متقطعة في مناطق الجنوب، خصوصاً في سبها وأوباري، وسط صمت رسمي من الحكومة حول أسباب التوترات.
ويرى مراقبون أن هذا التدهور الأمني يشكل أكبر التحديات أمام أي عملية سياسية، إذ لا يمكن إجراء انتخابات نزيهة في ظل غياب سلطة أمنية موحدة.
دور المجتمع الدولي
وتترافق الخطة الأممية مع تنسيق دولي متزايد، حيث أعربت عدة عواصم أوروبية عن دعمها للمبادرة، خاصة باريس ولندن وروما. وتشير تصريحات غربية إلى رغبة في إعادة الزخم للعملية السياسية، لكن مع ربط الدعم بمدى استعداد الأطراف الليبية لتنفيذ التزاماتها.
يرى الدكتور نادر الورفلي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة مصراتة، أن المبادرة الأممية تُعد الأكثر واقعية منذ سنوات، لأنها لا تفرض خياراً واحداً، بل تفتح الباب للتفاوض على سيناريوهات متعددة، لكنه حذّر من أن النجاح يتوقف على ما إذا كانت الأطراف مستعدة لتقديم تنازلات حقيقية، أم أنها ستستخدم الحوار مجدداً لكسب الوقت.
هل تنجح الخطة؟
من جهته، أكد الباحث الدولي في شؤون النزاعات، جمال السنوسي، أن “غياب الثقة بين الفرقاء، وتعدد مراكز القوة المسلحة، يضعف فرص النجاح، ما لم يتم تحقيق اختراق أمني وسياسي متزامن”.
وفي ظل تصاعد التوترات، وتزايد معاناة المواطن الليبي من تردي الأوضاع المعيشية والخدمية، تبقى المبادرة الأممية بمثابة بصيص أمل، لكنه مشروط بالإرادة السياسية وتوحيد الجهود المحلية والدولية.






