في أعماق الصحراء الكبرى، حيث تعصف الرياح بالرمال فتجعلها أمواجًا قاتلة، تتكشف مأساة إنسانية تتجاوز في قسوتها قدرة اللغة على الوصف، بحر الرمال العظيم، الممتد من غرب مصر إلى شرق ليبيا، لا يحمل اسمه من قبيل المبالغة، بل من واقع ما يحدث فيه آلاف المهاجرين من دول جنوب الصحراء الكبرى، ممن تقودهم أحلام الهروب من الفقر والعنف والاضطهاد، يمضون في طريق محفوف بالموت، أملاً في الوصول إلى الضفة الأخرى من المتوسط، إلى أوروبا. لكن كثيرًا ما تُختتم هذه الرحلة بأكفان سوداء في قلب الصحراء.
من بين كل أربعة يحاولون عبور هذه المساحات القاتلة، يفقد واحد حياته. العظام البيضاء التي تبرز من الرمال هي أكثر من مجرد شواهد قبور؛ إنها ملامح متجمدة لحلم فُجع في مهدِه. وبينما يتحدث العالم عن أزمة المهاجرين عند السواحل، هناك كارثة موازية تحدث بصمت في قلب الصحراء.
التحول الحضري والاقتصادي المثير في بنغازي
ليبيا، الدولة التي تحوّلت إلى مفترق طرق للهجرة غير الشرعية، تقف الآن أمام تحدٍّ وجودي مزدوج: احتواء تدفقات بشرية غير مسبوقة من الجنوب، ومحاولة إعادة تشكيل نفسها كدولة فاعلة بعد عقد من الفوضى. ما يثير الاهتمام اليوم هو التحول الملحوظ في شرق ليبيا، لا سيما في بنغازي، مقارنةً بالغرب الليبي الغارق في فوضى الميليشيات والانقسامات.
رغم القيود المفروضة على استيراد المعدات العسكرية والتكنولوجية بسبب عقوبات الأمم المتحدة، يتعامل “الجيش الوطني الليبي” بقيادة خليفة حفتر مع أزمة الهجرة كجزء من “حرب أمنية وطنية” برية وبحرية. وفي غياب الدعم الدولي الكافي، تعتمد السلطات في الشرق الليبي على دوريات برية تجوب الصحارى القاحلة، بحثًا عن المهاجرين الأحياء والقتلى على حد سواء. هذا الجهد، رغم ما يبدو من فظاظته، يعكس أيضًا محاولة لتقديم ليبيا كحاجز دفاعي أمام موجات الهجرة نحو أوروبا، لا سيما المملكة المتحدة، وهو أمر لا يخلو من أبعاد جيوسياسية واقتصادية.
اللافت في هذا السياق هو التحول الحضري والاقتصادي المثير في بنغازي، المدينة التي كانت يومًا معقلًا لتنظيم الدولة الإسلامية ومسرحًا لأبشع مشاهد الحرب الأهلية. المدينة، التي كانت رمزًا للدمار والانهيار، تشهد الآن نوعًا من النهضة العمرانية المدعومة إماراتيًا، مع مشاريع تطوير واسعة تشمل الفنادق الفاخرة، مراكز التسوق الحديثة، والحدائق العامة. هذه التحولات لا تأتي صدفة، بل تترافق مع تحركات سياسية محسوبة من القيادة الجديدة، وخاصة صدام حفتر، نجل الجنرال خليفة حفتر، الذي بدأ برسم صورة قيادية جديدة تتجاوز النهج العسكري التقليدي.
هل يعاد إنتاج نمط حكم استبدادي؟
يقدم صدام حفتر كشخصية إصلاحية ذات رؤية، منفتحة على العالم الغربي، متحمسة للابتعاد عن العلاقات السابقة مع روسيا، ومنخرطة في اتصالات دبلوماسية مع الولايات المتحدة وأوروبا. ولكن، يبقى السؤال: هل تمثل هذه التحركات بداية حقيقية لليبيا جديدة؟ أم أننا أمام إعادة إنتاج لنمط حكم مركزي استبدادي بواجهة حداثية؟
إن الشرق الليبي، رغم مظاهره الجديدة، لا يزال يعيش في ظل سلطة عسكرية ذات طابع قبلي، تُحكم بمنطق الولاء والعائلة. وغياب المؤسسات المدنية المستقلة، وندرة الشفافية، وتراجع دور المجتمع المدني، كلها مؤشرات على أن ما يحدث ليس انتقالًا ديمقراطيًا بقدر ما هو إعادة تموضع لنخبة جديدة في ثوب “دولة فاعلة” تخاطب الخارج بلغة الاستقرار والاقتصاد.
في المقابل، لا يمكن تجاهل واقع الغرب الليبي، حيث تتخذ “حكومة الوحدة الوطنية” المعترف بها دوليًا من طرابلس مقرًا لها، لكنها تبدو عاجزة عن ممارسة سلطتها خارج حدود ضيقة. في غياب الانتخابات واستمرار الانقسام السياسي، تبدو “الوحدة” في اسم الحكومة تناقضًا صريحًا مع واقع الانفصال الجغرافي والوظيفي للسلطة.
دعم مالي وسياسي غربي.. أين حقوق المهاجرين؟
وسط هذه التناقضات، تبقى ليبيا عالقة بين سرديتين متضادتين: سردية الضحية التي تواجه موجات الهجرة كدولة عبور متروكة وحدها من الغرب، وسردية الدولة الصاعدة التي تسعى لإثبات جدارتها كشريك أمني واقتصادي لأوروبا. ولكن في الحالتين، تبقى الكلفة الإنسانية عالية. المهاجرون، الذين يعبرون آلاف الكيلومترات على أمل بلوغ حياة كريمة، يُسحقون بين المطامع الجيوسياسية، والقيود القانونية الدولية، والواقع الأمني القاسي في بلد لم يتعافَ بعد من تبعات سقوط القذافي.
إن معالجة أزمة الهجرة في ليبيا لا يمكن أن تكون أمنيّة فقط. فبينما يحشد الغرب دعمه السياسي والمالي لتأمين الحدود، يتجاهل البعد الإنساني المتعلق بحقوق المهاجرين، وأسباب هجرتهم، والواقع داخل مراكز الاحتجاز. وبينما تسعى بعض القوى الليبية إلى تلميع صورتها أمام المستثمرين الدوليين، فإن القسوة في التعامل مع البشر الفارين من الموت، واللامبالاة الدولية بمصيرهم، تشكل جرحًا أخلاقيًا في ضمير النظام العالمي.
ليبيا اليوم تقف على مفترق طرق: هل تكون شريكًا فاعلًا في منظومة دولية تحترم حقوق الإنسان وتبني دولة المؤسسات؟ أم تتحول إلى مجرد سد أمني في وجه تدفقات بشرية لا تهتم بها أوروبا إلا عندما تطرق أبوابها؟
التحول الحضري والاقتصادي في بنغازي واعد، لكن قيمته تُقاس بمدى انعكاسه على حياة الناس، لا على واجهات الأبراج والفنادق. مستقبل ليبيا لا يُبنى فقط بالإعمار ولا بالتحالفات، بل بإعادة بناء الدولة على أسس العدالة والمساءلة والكرامة الإنسانية — لكل من يقيم فيها أو يمر عبرها، حيًا أو ميتًا.






