في وقت تبدو فيه المفاوضات الرامية إلى إنهاء الحرب في أوكرانيا عالقة، وفي ظل استمرار التوتر بين واشنطن وموسكو، كشفت تقارير أميركية عن زيارة سرية لمدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية جون راتكليف إلى موسكو.
الزيارة، التي لم يعلن عنها البيت الأبيض أو وكالة الاستخبارات المركزية، تأتي في توقيت بالغ الحساسية، ما يطرح تساؤلات حول طبيعة الرسائل التي حملها الوفد الأميركي، وما إذا كانت موسكو وواشنطن تبحثان خلف الأبواب المغلقة عن مخرج للمأزق التفاوضي حول أوكرانيا.
وإذا تأكد أن الزيارة كانت مرتبطة مباشرة بملف الحرب، فإنها ستكون من أكثر الاتصالات الأميركية-الروسية حساسية منذ بدء الجهود الأخيرة لإطلاق مسار تفاوضي بين موسكو وكييف.
أول زيارة معروفة لراتكليف إلى موسكو
كشفت شبكة CBS News في 26 أغسطس/آب عن وجود راتكليف في العاصمة الروسية، نقلاً عن مصادر مطلعة أكدت أنه عقد اجتماعات هناك.
ولم تعلن وكالة الاستخبارات المركزية تفاصيل الزيارة، لكن الكرملين أكد لاحقاً وجودها.
وقال المتحدث باسم الرئاسة الروسية ديمتري بيسكوف إن الزيارة مرتبطة باتصالات بين أجهزة الاستخبارات الروسية والأميركية.
وإذا كانت المعلومات المتداولة دقيقة، فإنها تمثل أول زيارة معروفة لراتكليف إلى روسيا منذ توليه منصب مدير CIA.
لكن الزيارة لا تعني أن قنوات الاتصال الاستخبارية بين البلدين كانت مغلقة.
فعلى الرغم من القطيعة السياسية الواسعة بين موسكو وواشنطن، حافظت أجهزة الاستخبارات في البلدين على خطوط اتصال خلفية في ملفات محددة، خصوصاً القضايا الإنسانية والأمنية الحساسة.
طائرة عسكرية أميركية في موسكو
تزامن الكشف عن زيارة راتكليف مع ظهور مؤشرات ميدانية على وصول وفد أميركي رفيع المستوى إلى موسكو.
فقد شوهدت طائرة نقل عسكرية أميركية من طراز C-17 Globemaster III في مطار فنوكوفو، إلى جانب تحركات لقافلة من المركبات المرتبطة بالبعثة الدبلوماسية الأميركية.
ولا يكشف وجود طائرة عسكرية وحده عن طبيعة المهمة، لكنه أضاف إلى المؤشرات التي سبقت تأكيد الكرملين للزيارة.
كما أن عدم الإعلان المسبق عن وصول مدير وكالة الاستخبارات المركزية يعكس على الأرجح رغبة الطرفين في إبقاء الاتصالات بعيداً عن الأضواء، على الأقل خلال مرحلة الاجتماعات.
لماذا الآن؟
التوقيت هو العنصر الأكثر إثارة في هذه الزيارة.
فالمفاوضات الرامية إلى إنهاء الحرب الروسية الأوكرانية لم تحقق اختراقاً حاسماً، بينما لا تزال واشنطن تحاول إبقاء مسار التفاوض مفتوحاً بين موسكو وكييف.
وفي الوقت نفسه، تستمر العمليات العسكرية على الأرض، ما يجعل أي اتصال مباشر بين واشنطن وموسكو ذا أهمية خاصة.
ولهذا تبرز عدة احتمالات بشأن هدف زيارة راتكليف.
أحدها أن واشنطن تريد اختبار الموقف الروسي الحقيقي من المفاوضات بعيداً عن التصريحات العلنية.
فالمسؤول الاستخباراتي يستطيع التعامل مع ملفات حساسة بعيداً عن الالتزامات السياسية والإعلامية التي تفرضها القنوات الدبلوماسية الرسمية.
هل يحمل راتكليف رسالة من ترامب؟
لا توجد معلومات مؤكدة حول مضمون الاجتماعات، لكن طبيعة منصب راتكليف تجعل من الصعب فصل الزيارة عن الحسابات السياسية الأوسع لإدارة الرئيس دونالد ترامب.
فوكالة الاستخبارات المركزية تمتلك مصادر ومعلومات لا تتوافر عادة للدبلوماسيين، كما أن مديرها يستطيع تقديم تقييم مباشر للرئيس بشأن نوايا القيادة الروسية وقدرتها على مواصلة الحرب.
وفي حال كانت واشنطن تبحث عن صيغة جديدة لتحريك المفاوضات، فقد يكون الهدف من الزيارة معرفة ما الذي يريده بوتين فعلياً مقابل وقف الحرب، وما إذا كانت مطالبه قابلة للتفاوض.
لكن لا يوجد حتى الآن ما يثبت أن راتكليف جاء حاملاً اتفاقاً جاهزاً أو مبادرة نهائية.
واشنطن طلبت من كييف التهدئة؟
تزداد أهمية الزيارة مع ما نقله مسؤول أوكراني رفيع المستوى من أن واشنطن أبلغت كييف مسبقاً بوصول وفد أميركي إلى موسكو.
وبحسب الرواية الأوكرانية، طلبت الولايات المتحدة من كييف تعليق هجماتها على روسيا مؤقتاً إلى حين مغادرة الوفد.
إذا تأكدت هذه المعلومة، فإنها ستكون ذات دلالة كبيرة.
فهي تعني أن واشنطن أرادت توفير بيئة ميدانية أكثر هدوءاً خلال الاتصالات، ربما لمنع وقوع حادث عسكري كبير يمكن أن يعطل الاجتماعات أو يرفع سقف التوتر بين الطرفين.
لكنها قد تعني أيضاً أن إدارة ترامب تحاول إدارة الحرب على مستويين متوازيين: ضغط عسكري وسياسي من جهة، وقناة اتصال استخبارية مباشرة مع موسكو من جهة أخرى.
هل تغيّر بوتين حساباته؟
تأتي الزيارة أيضاً في وقت تشير فيه تقييمات استخباراتية أميركية حديثة إلى احتمال تغير حسابات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بشأن المخاطر التي تواجه بلاده.
وبحسب هذه التقييمات، قد يكون الكرملين أكثر استعداداً للمضي في خيارات عسكرية جديدة، وربما اختبار مدى استعداد حلف شمال الأطلسي والولايات المتحدة لمواجهة التصعيد.
إذا كانت واشنطن ترى بالفعل أن تقديرات بوتين للمخاطر تتغير، فإن التواصل المباشر مع أجهزة الاستخبارات الروسية يصبح أكثر أهمية.
فالهدف قد لا يكون فقط البحث عن اتفاق بشأن أوكرانيا، وإنما فهم حدود التصعيد الروسي ومنع سوء التقدير الذي يمكن أن يؤدي إلى مواجهة أوسع.
الاستخبارات.. القناة التي لم تنقطع
رغم التوتر غير المسبوق بين موسكو وواشنطن، لم تنقطع الاتصالات بين الأجهزة الأمنية بصورة كاملة.
وفي السنوات الأخيرة، استُخدمت القنوات الاستخبارية في قضايا مثل تبادل الأسرى والمحتجزين والتعامل مع بعض الملفات الحساسة التي يصعب بحثها علناً.
هذه القنوات تتمتع بميزة أساسية: أنها تسمح للطرفين بالتحدث بعيداً عن الإعلام، ومن دون الاضطرار إلى تقديم تنازلات علنية.
وفي ملف أوكرانيا تحديداً، قد تكون هذه القنوات أكثر فائدة في مرحلة الجمود، عندما تصبح التصريحات العلنية جزءاً من لعبة الضغط والتفاوض.
هل هي مفاوضات سلام خلف الكواليس؟
حتى الآن، لا توجد معلومات تؤكد أن لقاءات راتكليف كانت مفاوضات سلام بالمعنى التقليدي.
كما أن الكرملين لم يقل إن الزيارة تمثل تحولاً في الموقف الروسي بشأن الحرب.
لكن اختيار مدير وكالة الاستخبارات المركزية للقيام بهذه المهمة، بدلاً من إرسال وفد دبلوماسي معلن، يشير إلى أن الملفات المطروحة قد تكون شديدة الحساسية أو أن واشنطن تريد اختبار أفكار لا تزال في مرحلة الاستكشاف.
وقد يتعلق الأمر أيضاً بترتيبات أمنية أو رسائل متبادلة حول التصعيد، وليس بالضرورة باتفاق لإنهاء الحرب.
موسكو وواشنطن.. تفاوض تحت سقف الحرب
تكشف الزيارة، في نهاية المطاف، عن مفارقة المشهد الحالي.
ففي الوقت الذي تواصل فيه روسيا وأوكرانيا الحرب، وتبقى المفاوضات السياسية متعثرة، لم تغلق واشنطن وموسكو قنوات الاتصال تماماً.
بل على العكس، يبدو أن أكثر القنوات حساسية تعمل أحياناً في الظل.
وهذا لا يعني أن اتفاقاً وشيكاً بات قريباً، لكنه يشير إلى أن الطرفين يدركان أهمية التواصل المباشر، خصوصاً عندما تكون مخاطر التصعيد مرتفعة.
الرسالة الأهم قد تكون في السرية نفسها
ربما يكون أهم ما في زيارة راتكليف أنها حدثت بعيداً عن الأضواء.
فالسرية تمنح واشنطن وموسكو مساحة لا توفرها المفاوضات العلنية: إمكانية اختبار المواقف، طرح أفكار غير مكتملة، وتبادل الرسائل الصعبة من دون أن يتحول كل تصريح إلى التزام سياسي.
ولهذا، فإن السؤال الذي سيحدد أهمية الزيارة ليس فقط ماذا قال راتكليف في موسكو؟، وإنما ما إذا كانت هذه الاتصالات ستنتقل لاحقاً من القناة الاستخبارية إلى المسار السياسي.
فإذا تبعتها خطوات تفاوضية جديدة بشأن أوكرانيا، فقد يتبين أن زيارة موسكو كانت جزءاً من محاولة لإعادة تحريك المسار المتعثر.
أما إذا لم يظهر أي تغيير في مواقف الطرفين، فقد تكون الزيارة مجرد محاولة لإدارة المخاطر والحفاظ على قناة اتصال في واحدة من أخطر مراحل العلاقات الروسية-الأميركية.
وفي الحالتين، فإن وصول مدير CIA سراً إلى موسكو في هذا التوقيت يؤكد أن الحرب لا تُدار فقط على خطوط الجبهة، بل أيضاً عبر قنوات خلفية لا تظهر تفاصيلها إلا بعد أن تبدأ نتائجها بالظهور.






