تُشير المؤشرات الصادرة عن وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية إلى أن قطاع غزة دخل مرحلة جديدة من الانهيار الإنساني، أكثر خطورة وتعقيدًا مما سُجّل في المراحل الأولى للحرب. ففي الوقت الذي تتصاعد فيه التحذيرات من مجاعة وشيكة وأوضاع طبية كارثية، تُمعن إسرائيل في تضييق الخناق على المنظمات الدولية، ليس فقط على الأرض، بل أيضًا عبر البيروقراطية السياسية بإجراءات متعمدة تهدف إلى تقييد الوصول والرقابة والوجود الأممي، كما يتضح من رفضها تجديد تأشيرة رئيس مكتب الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في فلسطين.
مرحلة جديدة من المعاناة الإنسانية
تصريحات مكتب “أوتشا” حول تطبيع الحرمان الجماعي تُعبر عن مرحلة جديدة من المعاناة الإنسانية، حيث لم يعد الأمر متعلقا بمجرد نقص في الموارد، بل بتحول هذا النقص إلى جزء من الواقع اليومي الذي يُفرض على أكثر من مليوني إنسان. إذ أصبح مشهد النزوح المتكرر، وانقطاع الكهرباء، وشحّ المياه، وانهيار النظام الصحي، واقعًا دائمًا لا استثناءً طارئًا. ومع تراكم الوفيات الناتجة عن الجوع وسوء التغذية والحرمان من العلاج، فإن الحديث عن “وفيات يمكن الوقاية منها” لا يعكس فقط حجم الكارثة، بل يحمّل المسؤولية السياسية والأخلاقية لدولة الاحتلال.
في هذا السياق، يبدو أن قرار إسرائيل بعدم تجديد تأشيرة “جوناثان ويتال” يتجاوز بُعده الإداري، ليُقرأ كموقف سياسي هدفه معاقبة صوت أممي سلط الضوء على جرائم الحرب والانتهاكات الجسيمة بحق المدنيين. فرفض تمديد التأشيرة جاء بعد أيام من تصريحاته العلنية حول موت مدنيين جوعًا، ما يؤكد أن إسرائيل تتعامل مع التغطية الأممية كتهديد لشرعيتها، وتسعى لعزل غزة عن أعين المراقبة الدولية.
تقويض الوجود الأممي في الأراضي الفلسطينية
التحذيرات من أن إسرائيل تُقيد دخول موظفي الأمم المتحدة وتقلص فترات الإقامة، تقترن أيضًا برفض تصاريح الدخول للموظفين الفلسطينيين أنفسهم إلى القدس الشرقية، ما يكشف عن سياسة ممنهجة لا تستهدف فقط الإغاثة، بل محاولة تقويض الوجود الأممي في الأراضي الفلسطينية كافة. ومع ارتفاع أعداد الفلسطينيين المصابين بالإجهاد الحاد وسوء التغذية، تزداد المخاوف من أن إسرائيل تعتمد سياسة “التجويع كسلاح حرب”، في انتهاك مباشر لاتفاقيات جنيف والقانون الدولي الإنساني.
في الوقت ذاته، تحذر “شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية” من كارثة إنسانية هي الأشد منذ بدء العدوان، حيث بلغ الوضع حافة الانفجار، مع انعدام الطحين والغذاء وانتشار الأمراض الناتجة عن تلوث المياه وتراكم النفايات الصلبة. وهذا الانهيار متعدد الأوجه لا يمكن فصله عن القرارات السياسية الإسرائيلية بتقييد عمل المنظمات الإنسانية وعرقلة تدفق المساعدات.
إخضاع جماعي للتجويع والحرمان
من الناحية الاستراتيجية، تُظهر التطورات أن إسرائيل لا تنظر إلى قطاع غزة فقط كجبهة عسكرية، بل كمساحة مستباحة يمكن إدارتها عبر “الهندسة الإنسانية”، أي خلق ظروف قسرية تؤدي إلى الإخضاع الجماعي عبر التجويع والحرمان والعزل الدولي. ومن هنا تتقاطع سياسات الحصار، والعدوان، وتقييد العمل الإنساني، في مشروع أوسع يهدف إلى كسر إرادة السكان ومحو الغطاء الأخلاقي والقانوني لأي وجود أممي في القطاع.
المرحلة الحالية في غزة، إذن، لا تُعبّر فقط عن أزمة إنسانية عابرة، بل عن تفكك شامل في البنية الإنسانية للمجتمع الفلسطيني، يقابله تفكيك منظم للوجود الدولي، وسط صمت دولي مقلق وتواطؤ واضح من قبل بعض القوى الدولية التي ترفض تحميل إسرائيل مسؤولياتها القانونية. في ضوء ذلك، يبقى السؤال المُلح: هل سينهض المجتمع الدولي بمسؤولياته الإنسانية والقانونية، أم أن غزة تتجه إلى مزيد من العزلة والموت البطيء تحت أعين العالم؟






