تصاعدت السياسات الإسرائيلية في مناطق الأغوار الشمالية، في تحول خطير في طبيعة الصراع على الأرض، من مجرد تضييق ومعيقات يومية إلى مسار ممنهج يستهدف تفريغ المنطقة من سكانها الفلسطينيين. وتعكس الأرقام الرسمية وشهادات السكان واقعًا يتجه نحو التآكل المتسارع للوجود الفلسطيني، بفعل مزيج من الضغوط الأمنية والاقتصادية واعتداءات المستوطنين، في سياق يبدو أقرب إلى إعادة تشكيل ديموغرافي قسري للمنطقة.
هذا المشهد لا يمكن فصله عن التحولات الأوسع في سياسات الاحتلال، التي انتقلت من إدارة السيطرة إلى فرض وقائع ميدانية يصعب التراجع عنها، عبر أدوات متعددة تشمل التهجير، وتوسيع الاستيطان، ومشاريع البنية التحتية ذات الطابع العسكري. وبينما تتراجع أعداد العائلات الفلسطينية بشكل لافت، يبرز سؤال جوهري حول مستقبل الوجود الفلسطيني في الأغوار، وما إذا كانت المنطقة تشهد بالفعل مرحلة الحسم في معركة الأرض والهوية.
إفراغ عدد من التجمعات الفلسطينية
حوالي 580 عائلة فلسطينية كانت تسكن التجمعات الفلسطينية في الأغوار الشمالية (لا يشمل قرى بردلة وكردلة وعين البيضاء)، بدأت بالرحيل عن المنطقة منذ عشر سنوات. أدت موجات النزوح هذه التي كانت بارزة في الشهرين الماضيين إلى إفراغ عدد من التجمعات الفلسطينية بشكل كامل، فضلا عن تآكل الوجود الفلسطيني في تجمعات أخرى. حسب تصريحات الناشط الحقوقي عارف دراغمة لوكالة وفا.
طبيعة الهجمة الاستعمارية، وإرهاب المستعمرين تؤكد أن إسرائيل ترمي إلى إفراغ الأغوار الشمالية من الوجود الفلسطيني. وما يؤكد ذلك الأرقام الصادرة عن مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة “بتسيلم” التي تقول: إنه منذ بداية الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في السابع من تشرين الأول/أكتوبر عام 2023، أدت الهجمات العسكرية وعنف المستعمرين في الضفة الغربية إلى تهجير سكان على نطاق لم يسبق له مثيل منذ احتلال الضفة في عام 1967. حسب رئيس هيئة مقاومة الجدار والاستيطان مؤيد شعبان.
وحتى العاشر من آذار/مارس 2026، هجّرت إسرائيل 57 تجمّعًا فلسطينيًا يبلغ عدد سكانها أكثر من 3,921 شخصاً من مواقع إقامتها في مناطق مُصنَّفة حسب اتفاق أوسلو على أنها (ب) و(ج)، وتمّ تهجير 532 شخصًا آخر من منازلهم في 17 تجمّعًا تعرضت للتهجير بشكل جزئي.
انتهاكات المستعمرين
تعطي الأرقام الصادرة عن المؤسسة الحقوقية انطباعاً مأساوياً عن حجم التآكل في الوجود الفلسطيني في الأغوار الشمالية. ففي الشريط الشرقي لمحافظة طوباس، أدت انتهاكات المستعمرين منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، وهو اليوم الذي شنت فيه إسرائيل حرب الإبادة على غزة، إلى تهجير 8 تجمعات من العائلات الفلسطينية بشكل كامل.
وهذه التجمعات هي: “أم الجمال، وخلة خضر، ووادي الفاو، وخربة ابزيق، والميتة، والبرج، وشرق العقبة، وخربة يرزا”. وبلغ عدد العائلات التي أُجبرت على الرحيل عن هذه التجمعات الثمانية 88 عائلة فلسطينية، تضم 502 فرد.
كان فوزي عنبوسي آخر الذين أجبرتهم انتهاكات المستعمرين على الرحيل عن خربة يرزا رفقة ابنيه “كان في الخربة خلال سبعينيات القرن الماضي حوالي خمسين عائلة فلسطينية تعيش في نظام متشابه، ومع تقدم السنين بدأت بعض العائلات بالرحيل والبحث عن نظم حياة مختلفة”. لكن بشكل وصفه بلمح البصر، أُفرغ التجمع بشكل كامل.
حجم الانتهاكات الإسرائيلية واتساعها
بموازاة ذلك شهدت باقي التجمعات الفلسطينية (الحمة، وسمرة، والفارسية، والمالح، والحديدية، وحمصة) تناقصا في عدد العائلات. ورغم عدم إفراغ هذه التجمعات بشكل كامل فإن 33 عائلة تضم 196 فردا أُجبرت على الرحيل بسبب انتهاكات المستعمرين.
رافق حرب الإبادة على غزة توسع ملحوظ في هجمات المستعمرين بحق المواطنين العزّل في التجمعات البدوية في مناطق الضفة الغربية. وقبل السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، أُفرغ تجمعان في المنطقة الشرقية لمحافظة طوباس بشكل كامل، وهما عين كرزلية عام 2018 فيها 3 عائلات تضم 30 فردا، بالإضافة إلى حمصة الفوقا عام 2021 فيها 9 عائلات وتضم 61 فردا.
هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، قالت في تقرير لها عن انتهاكات الاحتلال عام 2025: إن هذا العام (2025) شكّل واحداً من أكثر الأعوام كثافة في حجم الانتهاكات الإسرائيلية واتساعها ونوعيتها منذ بدء توثيقها بشكل منهجي، ليس فقط من حيث عدد الاعتداءات المسجّلة، بل من حيث طبيعتها المركّبة ودلالاتها السياسية العميقة.
مخططا استعماري جديد باسم الخيط القرمزي
ووثّقت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان خلال العام الماضي 23827 اعتداءً نفذتها قوات الاحتلال الإسرائيلي والمستعمرون بحق المواطنين الفلسطينيين وممتلكاتهم في مختلف المحافظات، في رقم قياسي يعكس انتقال سياسات الاحتلال من إدارة السيطرة إلى فرضها كمنظومة حكم قسرية مكتملة الأركان.
وتُظهر المعطيات أن المستعمرين نفذوا 4723 اعتداءً، إلى جانب 720 اعتداءً نُفذت بشراكة مباشرة بين الطرفين، الأمر الذي يؤكد أن إرهاب المستعمرين لم يعد فعلاً هامشياً أو خارجاً على سيطرة الدولة، بل جزءاً عضوياً من سياسة رسمية توفّر له الغطاء والحماية، وتوظفه كأداة ميدانية لتوسيع السيطرة على الأرض وفرض وقائع لا رجعة عنها.
في أواخر شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2025، أعلنت سلطات الاحتلال مخططا استعماريا جديدا باسم “الخيط القرمزي”، ويشمل إقامة طريق عسكري وجدار فاصل بطول 22 كيلومترا على أراضي المواطنين في محافظة طوباس. ووفقا للمخططات الأولية والإخطارات التي صدرت في حينها، سيلتهم المشروع 1042 دونما من أراضي المواطنين في محافظة طوباس، كما سيعزل خلفه أضعاف ذلك.
الضغط على حكومة الاحتلال
يقول شعبان: تُلقي حكومة الاحتلال بكل ثقلها مستعينة بإرهاب المستعمرين، بهدف إجبار العائلات الفلسطينية على ترك مساكنها وأراضيها في الأغوار الشمالية والرحيل عنها. وقال عنبوسي الذي يحفظ في ذهنه ذاكرة أكثر من سبعين سنة: إنهم شهدوا في الفترة الأخيرة أصنافا من اعتداءات المستعمرين أجبرتهم مكرهين على الرحيل عن التجمع.
لكن شعبان يرى أن من تبقى يمكن حمايته على صعيدين: الداخلي من خلال دعم صمودهم بكل الإمكانيات، وتوفير الحماية الشعبية من خلال تفعيل لجان حماية لهم. وعلى الصعيد الدولي من خلال المتابعة القانونية لانتهاكات المستعمرين، وإجبار العالم على الضغط على حكومة الاحتلال للجم إرهاب المستعمرين.





