دخل ملف مضيق هرمز مرحلة أكثر تعقيدًا، بعدما أعلنت إيران أنها لن تعيد فتح الممر البحري الاستراتيجي بالشروط السابقة، مؤكدة أن أي اتفاق مستقبلي يجب أن يضمن أمن الملاحة ويحفظ سيادتها على المياه الإقليمية، مع نفيها في الوقت نفسه وجود أي مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة.
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، إن التوصل إلى اتفاق بشأن آلية الملاحة وضمان الأمن في المضيق يمثل شرطًا أساسيًا لإعادة تشغيله، لكنه شدد على أن هذه المتطلبات “ليست كافية وحدها”، في إشارة إلى وجود ملفات سياسية وأمنية أوسع لا تزال محل خلاف.
وأكد بقائي أن إغلاق المضيق لم يكن نتيجة خلاف مع سلطنة عمان، بل جاء، بحسب وصفه، نتيجة “العدوان العسكري الأميركي والإسرائيلي” الذي استهدف إيران خلال الأشهر الماضية.
ممر استراتيجي يشكل شريانًا للطاقة العالمية
يُعد مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية في العالم، إذ تعبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز الطبيعي المسال القادمة من دول الخليج، ما يجعله عنصرًا حاسمًا في استقرار أسواق الطاقة العالمية.
وتصاعدت الأزمة عندما أغلقت طهران المضيق عقب اندلاع المواجهة العسكرية مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وهو ما تسبب في اضطرابات كبيرة في حركة التجارة الدولية وإمدادات الطاقة، قبل أن تفرض واشنطن حصارًا على الموانئ الإيرانية، لتدخل المنطقة في واحدة من أكثر أزماتها البحرية تعقيدًا منذ سنوات.
مذكرة تفاهم لم تصمد أمام الخلافات
كانت إيران والولايات المتحدة قد توصلتا إلى مذكرة تفاهم تقضي بإعادة فتح المضيق لمدة لا تقل عن ستين يومًا، غير أن غموض بنود الاتفاق بشأن إدارة الممر الملاحي وتقاسم صلاحيات الإشراف عليه أدى إلى انهيار التفاهم سريعًا.
وتركز الخلاف بصورة أساسية على الجهة التي ستتولى السيطرة الفعلية على الممر البحري، في ظل وقوعه ضمن المياه الإقليمية لكل من إيران وسلطنة عمان، إضافة إلى مسألة تحديد خطوط الملاحة التي يجب أن تلتزم بها السفن التجارية.
وأدى تعثر تنفيذ الاتفاق إلى تجدد العمليات العسكرية، حيث استأنفت الولايات المتحدة ضرباتها ضد أهداف إيرانية، بينما ردت طهران باستهداف منشآت ومصالح عسكرية أميركية في المنطقة، قبل أن تتوقف المواجهات العسكرية لاحقًا، مع استمرار المفاوضات السياسية حول مستقبل المضيق.
مقترح عمان… إدارة مشتركة ورسوم طوعية
في محاولة لاحتواء الأزمة، طرحت سلطنة عمان تصورًا جديدًا لإدارة الملاحة في مضيق هرمز يقوم على إنشاء ممر بحري يتوزع بالتساوي بين المياه الإقليمية الإيرانية والعمانية.
وبحسب نائب وزير الخارجية الإيراني، كاظم غريب آبادي، فإن المقترح يسمح للسفن بدخول المضيق عبر المياه الإيرانية والخروج عبر المياه العمانية، إلى جانب فرض مساهمات مالية طوعية على السفن العابرة يتم تقاسمها بين البلدين.
ويستند هذا التصور إلى نموذج إدارة مضيق ملقا في جنوب شرق آسيا، حيث تساهم السفن طوعًا في تمويل عمليات الأمن البحري وحماية البيئة وعمليات البحث والإنقاذ، دون فرض رسوم إلزامية على حركة الملاحة.
كما أشارت تقارير إلى أن المقترح العماني حظي بدعم عدد من دول الخليج، التي ناقشت الملف خلال اجتماعات وزراء خارجية مجلس التعاون الخليجي باعتباره أحد الملفات المرتبطة بالأمن الإقليمي.
إيران تتمسك بسيطرة أوسع على المضيق
ورغم الزخم الذي حظي به المقترح العماني، أعلنت طهران رفضه، معتبرة أنه لا يوفر الضمانات الكافية لحماية أمنها القومي.
وأوضح غريب آبادي أن الخطة الإيرانية تقوم على أن يمر جزء من الممر الملاحي بالكامل داخل المياه الإقليمية الإيرانية، بينما يعبر الجزء الآخر أيضًا مناطق تخضع للسيادة الإيرانية، بما يسمح لطهران بمراقبة حركة السفن القادمة والمغادرة بصورة مباشرة.
وحذر المسؤول الإيراني من أن مضيق هرمز سيظل مغلقًا إذا لم يتم التوصل إلى صيغة تراعي هذه المطالب، مؤكدًا أن العودة إلى نظام الملاحة الذي كان قائمًا قبل الحرب “لم تعد مطروحة”.
ثلاثة مسارات بحرية قيد الدراسة
في المقابل، كشفت تقارير إعلامية أن سلطنة عمان تدرس مقترحًا بديلاً يتضمن إنشاء ثلاثة ممرات منفصلة، أحدها داخل المياه الإيرانية، والثاني في المياه الدولية، والثالث داخل المياه العمانية، بهدف تقليل نقاط الاحتكاك بين الأطراف المختلفة.
غير أن طهران لم تعلن حتى الآن موقفها الرسمي من هذا التصور، ما يبقي مستقبل المفاوضات مفتوحًا على جميع الاحتمالات.
ملفات شائكة تعرقل الاتفاق
ولا تقتصر الخلافات على مسارات الملاحة فقط، بل تمتد إلى قضايا أكثر حساسية، تشمل الجهة المخولة بوضع اللوائح المنظمة لعبور السفن، وآليات إزالة الألغام البحرية، والرسوم المالية التي ستُفرض على السفن التجارية.
وتتهم الولايات المتحدة إيران بزرع ألغام بحرية داخل المضيق، وهو اتهام لم تؤكده طهران رسميًا، إلا أن الحرس الثوري الإيراني سبق أن نشر خريطة لمسار ملاحي اعتبره الأكثر أمانًا لتجنب المناطق التي قد تشكل خطرًا على الملاحة.
كما يبرز الخلاف حول الرسوم المالية باعتباره أحد أكثر الملفات تعقيدًا، إذ تشير تقديرات إلى أن نموذج المساهمات الطوعية المستخدم في مضيق ملقا يحقق عشرات الملايين من الدولارات سنويًا، بينما تفضل إيران فرض رسوم مباشرة على السفن العابرة، ترى أنها ستوفر موارد مالية أكبر للمساهمة في إعادة إعمار البنية التحتية التي تعرضت لأضرار واسعة خلال الحرب.
مستقبل المضيق… بين التسوية والتصعيد
تكشف المواقف الإيرانية الأخيرة أن طهران تسعى إلى تحويل الأزمة من مجرد نقاش حول حرية الملاحة إلى إعادة صياغة قواعد إدارة واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، بما يمنحها دورًا أكبر في الإشراف على حركة السفن والاستفادة الاقتصادية من هذا الموقع الاستراتيجي.
وفي المقابل، تبدو سلطنة عمان ودول المنطقة حريصة على الوصول إلى صيغة تضمن استمرار انسياب التجارة الدولية دون المساس بتوازنات الأمن الإقليمي، بينما لا تزال الولايات المتحدة تراقب مسار الأزمة باعتبارها أحد أكثر الملفات تأثيرًا في أسواق الطاقة والاستقرار الجيوسياسي.
وفي ظل استمرار التباعد بين مواقف الأطراف، يبقى مستقبل مضيق هرمز رهينًا بتسوية سياسية شاملة تتجاوز مسألة الملاحة البحرية، لتلامس مجمل الملفات الأمنية والعسكرية التي فجرت الأزمة في المقام الأول.






