تلقّى الرئيس السوري أحمد الشرع اتصالًا هاتفيًا من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حمل دلالات تتجاوز الطابع البروتوكولي، ليعكس محاولة متبادلة لاستكشاف ملامح المرحلة المقبلة في بلد يخرج تدريجيًا من سنوات طويلة من الصراع والانقسام.
الحديث، بحسب ما رشح من مضمون الاتصال، لم يقتصر على المجاملات الدبلوماسية، بل تناول ملفات حساسة تتعلق بالمرحلة الانتقالية، والأمن، ووحدة الدولة، وصولًا إلى آفاق التعاون الثنائي وتأثير ذلك على الاستقرار الإقليمي والدولي.
دمشق تؤكد ثوابتها… وسيادة بلا مساومة
حرص الرئيس أحمد الشرع، خلال الاتصال، على تثبيت الرسائل الأساسية للدولة السورية في هذه المرحلة، وفي مقدمتها التمسك بوحدة الأراضي السورية وسيادتها الوطنية، باعتبارها خطوطًا حمراء لا يمكن تجاوزها في أي مسار سياسي أو تفاهم دولي.
كما شدد على أهمية الحفاظ على مؤسسات الدولة، ليس فقط بوصفها هياكل إدارية، بل كضمانة لمنع الانزلاق نحو الفوضى أو الفراغ السياسي، مع التأكيد على تعزيز السلم الأهلي كأولوية لا تقل أهمية عن المعالجة الأمنية.
وفي هذا السياق، برز ملف مكافحة الإرهاب كقاسم مشترك في الحديث، إذ أكد الرئيس السوري ضرورة توحيد الجهود الدولية لمنع عودة التنظيمات المتطرفة، وعلى رأسها تنظيم “داعش”، في رسالة تعكس إدراك دمشق لمخاطر استغلال المرحلة الانتقالية من قبل الجماعات المسلحة.
“سورية الجديدة”… خطاب انفتاح محسوب
اللافت في الاتصال هو تبنّي دمشق خطابًا يقوم على الانفتاح المدروس، حيث أوضح الرئيس الشرع أن “سورية الجديدة” تمد يدها للتعاون مع مختلف الأطراف الدولية، شريطة أن يقوم ذلك على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، بعيدًا عن منطق الإملاءات أو التدخلات.
كما اتفق الطرفان على أهمية تغليب لغة الحوار في معالجة النزاعات الإقليمية، في وقت شدد فيه الرئيس السوري على أن “الدبلوماسية النشطة” هي الطريق الوحيد لتجاوز الأزمات المزمنة التي أنهكت المنطقة، في إشارة إلى رغبة دمشق في الانتقال من مربع الصراع إلى فضاء التسويات السياسية.
واشنطن: دعم لسورية موحدة وخطوة نحو إنهاء النزاع
من جانبه، أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دعم بلاده لتطلعات الشعب السوري في بناء دولة موحدة وقوية، وهو موقف يعكس تغيرًا نسبيًا في نبرة الخطاب الأمريكي تجاه دمشق، مقارنة بسنوات سابقة اتسمت بالتصعيد والقطيعة.
ورحب ترامب باتفاق وقف إطلاق النار، واصفًا إياه بالخطوة المفصلية نحو إنهاء النزاع، كما أشاد بالتفاهمات المتعلقة بدمج القوى العسكرية ضمن مؤسسات الدولة، بما في ذلك “قوات سوريا الديمقراطية – قسد”، وهو ملف بالغ الحساسية يشكل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة السورية على إعادة بناء منظومتها الأمنية والعسكرية.
الاقتصاد وإعادة الإعمار… الرهان الأصعب
الشق الاقتصادي كان حاضرًا بدوره في الاتصال، إذ أبدى الرئيس الأمريكي استعداد واشنطن لدعم جهود إعادة الإعمار في سورية، من خلال تشجيع الاستثمار وتهيئة بيئة جاذبة لرؤوس الأموال.
هذا الطرح يعكس قناعة متزايدة لدى صناع القرار في واشنطن بأن الاستقرار الاقتصادي في سورية ليس مسألة داخلية فحسب، بل عنصر أساسي في استقرار الشرق الأوسط بأكمله، خاصة في ظل تشابك الأزمات الإقليمية وتأثيرها المباشر على الأمن العالمي.
لكن هذه الوعود تبقى، في نظر كثير من المراقبين، مرهونة بخطوات عملية على الأرض، وبمدى قدرة الأطراف المختلفة على تحويل التفاهمات السياسية إلى إجراءات ملموسة تفتح الباب أمام التعافي الاقتصادي.
ما بين الرمزية والاختبار الحقيقي
يعكس الاتصال الهاتفي بين الرئيسين لحظة اختبار متبادل: دمشق تسعى إلى تثبيت شرعيتها الدولية وإعادة التموضع سياسيًا، وواشنطن تحاول إدارة مرحلة انتقالية معقدة دون الانخراط في صراع مفتوح أو ترك فراغ قد تستغله قوى أخرى.
وبين هذه الحسابات، تبقى المرحلة المقبلة مرهونة بمدى جدية الأطراف في ترجمة لغة الحوار إلى مسار سياسي واقعي، قادر على إعادة سورية إلى موقعها الطبيعي كدولة مستقرة، ذات سيادة، وفاعلة في محيطها الإقليمي.






