جاء “اتفاق الإطار” اللبناني-الإسرائيلي، بعد 5 جولات من المفاوضات المكثفة، ليمثل انعطافة دراماتيكية في مسار الصراع الإقليمي المستمر منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023. ورغم محاولات الثنائي الرئاسي في لبنان (رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام) تقديم الاتفاق كبوابة إجبارية لاستعادة السيادة وإنهاء الاحتلال، فإن القراءة المتأنية لنصوصه المسرّبة وكواليس إعداده تكشف عن خلل إستراتيجي حاد في موازين القوى، وتحوّل صاغته وزارة الخارجية الأمريكية ليفصل ملف الجنوب عن التفاهمات الإقليمية الكبرى، مهدداً بتفجير السلم الأهلي اللبناني من الداخل.
بنود “المقايضة الصعبة”.. ماذا قدّمت بيروت لتل أبيب؟
تجاوز نص الاتفاق الإطاري فكرة “الهدنة المؤقتة” ليؤسس لمسار سلام أمني شامل، تضمن تنازلات لبنانية غير مسبوقة مقابل وعود إسرائيلية بالغة الغموض جغرافياً وزمنياً:
شرعنة “المنطقة الأمنية”: منح الاتفاق إسرائيل اعترافاً ضمنياً بحق الاحتفاظ بحزام أمني داخل الجنوب اللبناني بذريعة حماية أمنها، طالما لم يتم نزع سلاح حزب الله وتفكيك بنيته التحتية بالكامل؛ وهو مكسب عجزت تل أبيب عن انتزاعه قانونياً إبان احتلالها الأول (1982-2000).
تجريد لبنان من أسلحته الدولية: بموجب التفاهمات، تنازلت الدولة اللبنانية عن حقها السيادي في ملاحقة أو مقاضاة إسرائيل في المحافل السياسية والقانونية الدولية لمواجهة الاحتلال، مقابل نزع الشرعية عن أي تحرك مقاوم على الأرض.
فك الارتباط عن جبهة إيران: كرّس التوقيع فصلاً كاملاً للجبهة اللبنانية عن “مذكرة التفاهم الأمريكية-الإيرانية” الشاملة التي تقودها قنوات أخرى لوقف النار، مضحياً بالشرط الإيراني الذي كان يربط استقرار المنطقة ببعضها.
إعادة انتشار لا انسحاب: لا يحتوي الاتفاق على جدول زمني واضح للانسحاب، بل يتحدث عن “إعادة انتشار تدريجي” خارج الحدود مشروط بأداء عسكري لبناني يخضع لتقييم إسرائيل في مناطق “تجريبية” (مثل قرى فرون، وزوطر الغربية، والغندورية) والتي تبين للمفارقة أنها ليست محتلة عسكرياً بالأساس.
كواليس واشنطن.. صراع “روبيو-فانس” وملامح مسوّدة المنامة
لم يكن الاتفاق وليد الصدفة، بل نتاج ترتيبات معقدة قادها وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو وفريقه، في سياق صراع أجنحة صامت داخل إدارة الرئيس دونالد ترمب:
محور روبيو مقابل فانس: في الوقت الذي يقود فيه نائب الرئيس الأمريكي “فانس” المعسكر التحفظي الساعي لتفاهمات شاملة مع طهران لوقف الحروب، عمل “روبيو” (الذي يجمع حقيبة الخارجية وسكرتارية الأمن القومي) على عزل الملف اللبناني لإرباك المفاوضات الإيرانية-الأمريكية، وأقصى مبعوثي الرئيس التقليديين في المنطقة مثل توم باراك عن الملف.
ولمزيد من الضغط، استبق روبيو جولة المفاوضات الخامسة بالذهاب إلى الخليج، لينتزع في 25 يونيو/حزيران (قبل الاتفاق بيوم واحد) “بيان المنامة الوزاري” مع دول مجلس التعاون، والذي صيغت فقراته اللبنانية بدقة متناهية لتطابق تماماً بنود “اتفاق الإطار”، مما حرم المفاوض اللبناني من أي هامش للمناورة السياسية بعد حشد غطاء عربي ودولي مسبق للشروط الأمريكية.
زلزال سياسي في بيروت.. جبهة الرفض تستدعي إرث 1983
انفجر المشهد السياسي اللبناني فور إعلان الاتفاق بين ترحيب رسمي عاجز عن التنفيذ، ورفض نيابي وشعبي واسع يهدد بـ”شلل الدستور”:
الموقف الرئاسي والحكومي: اعتبر الرئيس جوزاف عون الاتفاق “أول الطريق نحو دولة بلا وصاية”، شاكراً ترمب على الرعاية، وهو ما ثنّى عليه رئيس الحكومة نواف سلام بطلب ضمانات تنفيذية.
فيتو بري وقاسم: أعلن أمين عام حزب الله نعيم قاسم أن الاتفاق “باطل واستسلام ومذل”، معتبراً ربط الانسحاب بنزع السلاح خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه. بدوره، وجّه رئيس البرلمان نبيه بري تحذيراً شديد اللهجة للشعب اللبناني، واصفاً الاتفاق بـ”الإملاءات التي تفتح باب الفتنة”، مؤكداً لصحيفة الأخبار أنه “أسوأ بعشرات المرات من اتفاق 17 مايو/أيار 1983 ولن يمر”.
التحفظات الجنبلاطية والإسلامية: وصف وليد جنبلاط الاتفاق بأنه “ثلاثي الشكل أحادي المضمون” منتقداً التغييب الكامل لاتفاقية الهدنة لعام 1949. فيما أكدت “الجماعة الإسلامية” أن السلاح وحصريته لا يجوز نقاشهما تحت ضغط الاحتلال، بل عبر حوار وطني لإنتاج إستراتيجية دفاعية.
الحراك السوري والسيناريوهات المأزومة
في ظل هذا الاستعصاء، تترقب الأوساط السياسية في بيروت زيارة خاطفة لوزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، في الأيام الأولى من شهر يوليو/تموز. ورغم الطابع الثنائي للملفات المعلنة، فإن دمشق تنظر بقلق بالغ إلى تداعيات الاتفاق؛ خشية أن يؤدي انهيار الساحة اللبنانية إلى شرعنة التوغل الإسرائيلي الجاري في جنوب غربي سوريا. وتفيد القراءات بأن الشيباني قد يحمل مبادرة سياسية لخفض التوتر الداخلي كبديل عن فكرة “التدخل العسكري” الخارجي.
ومع غياب التوافق الوطني، تبرز معالم الأزمة في ثلاثة مسارات محتملة:
العجز المؤسسي: عدم قدرة الحكومة على إحالة الاتفاق للبرلمان خشية الاصطدام بكتلة المعارضة الكبرى (التي تضم الجميع باستثناء القوات والكتائب والأحرار ونائب الحوار الوطني)، فضلاً عن أزمة النصاب القانوني بعد فقدان المجلس 11 نائباً.
انقسام المؤسسة العسكرية: إن أي محاولة لتطبيق بنود نزع السلاح بالقوة دون غطاء سياسي وطني قد تدفع بالجيش اللبناني نحو الانقسام على نفسه، وهو ما يفسر الشائعات حول رغبة الرئاسة بإقالة قائد الجيش، وتجنب القيادة الحالية الاصطدام بأي طرف محلي.
إضعاف الدولة المستدام: السيناريو الأرجح هو أن يفشل الاتفاق في تحقيق أهدافه الطموحة (السلام وإعادة الإعمار وعودة النازحين)، ليتحول إلى أداة تُعرّي عجز الدولة اللبنانية وتضعف مؤسساتها، مع بقاء الاحتلال الإسرائيلي قائماً واستمرار عمليات المقاومة في الجنوب خارج شرعية الدولة.






