في تطور قد يشكّل منعطفًا حاسمًا في مسار الحرب الروسية على أوكرانيا، أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن مسؤولين من كييف وموسكو وواشنطن سيعقدون اجتماعات ثلاثية غير مسبوقة يومي الجمعة والسبت، في خطوة تعكس انتقال الجهود الأمريكية من مرحلة الوساطة المنفصلة إلى محاولة جمع أطراف النزاع على طاولة واحدة.
الإعلان جاء عقب لقاء جمع زيلينسكي بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب على هامش منتدى دافوس الاقتصادي، حيث بدا واضحًا أن واشنطن تسعى إلى تسريع وتيرة المسار السياسي، بعد سنوات من حرب استنزاف أعادت رسم الخريطة الأمنية لأوروبا.
ضمانات أمنية واتفاق اقتصادي: كييف ترفع سقف التفاوض
زيلينسكي أكد أن شروط الضمانات الأمنية لأوكرانيا قد استُكملت، وأن اتفاقًا شبه نهائي بات جاهزًا حول مرحلة التعافي الاقتصادي بعد الحرب. هذان العنصران يشكلان جوهر المقاربة الأوكرانية الجديدة في التفاوض، والرد العملي على مقترحات أمريكية سابقة وُصفت في كييف بأنها تميل بشكل مفرط إلى مراعاة المصالح الروسية.
بالنسبة للقيادة الأوكرانية، لا يمكن لأي وقف لإطلاق النار أن يكون مستدامًا دون مظلة أمنية واضحة تمنع تكرار سيناريو 2014 أو 2022، ودون خطة اقتصادية تعيد دمج أوكرانيا في النظام المالي والاستثماري الغربي. من هنا، فإن ربط الضمانات الأمنية بإعادة الإعمار يعكس محاولة كييف تحويل نهاية الحرب إلى نقطة انطلاق سياسية واقتصادية، لا مجرد هدنة هشة.
أبو ظبي كمنصة تفاوض: اختيار محسوب
وصف زيلينسكي المحادثات المرتقبة في أبو ظبي بأنها «أول اجتماع ثلاثي» بين الأطراف، معتبرًا ذلك تطورًا إيجابيًا. اختيار العاصمة الإماراتية ليس تفصيلاً عابرًا، بل يعكس بحث واشنطن عن ساحة محايدة نسبيًا، بعيدة عن الاستقطاب الأوروبي، وقادرة على استضافة محادثات حساسة دون ضغوط مباشرة من الرأي العام الغربي أو الروسي.
حتى الآن، لم يصدر أي تعليق رسمي من موسكو حول هذه الاجتماعات، وهو صمت يعكس على الأرجح حسابات دقيقة داخل الكرملين، بين الرغبة في عدم الظهور بموقع الرافض للمسار الدبلوماسي، وعدم تقديم تنازلات مجانية قبل اتضاح سقف الطرح الأمريكي.
ترامب بين الرسائل والواقعية السياسية
الرئيس الأمريكي وصف لقاءه مع زيلينسكي بأنه «جيد»، لكنه حرص في الوقت نفسه على التأكيد أن إنهاء الحرب لا يزال «عملية مستمرة». هذا التوصيف يعكس مقاربة ترامب البراغماتية، التي تسعى إلى تسجيل اختراق سياسي دون التورط في التزامات مفتوحة أو وعود يصعب تنفيذها.
رسالة ترامب إلى بوتين، بحسب ما صرّح به، كانت واضحة: الحرب يجب أن تنتهي. غير أن هذه البساطة في الخطاب تخفي خلفها شبكة معقدة من المصالح، تبدأ من موقع الولايات المتحدة في أوروبا، ولا تنتهي عند علاقتها بروسيا والصين.
“قضية واحدة متبقية”: تفاؤل أمريكي حذر
في موازاة تحركات القادة، لعب المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف دورًا محوريًا في إدارة القناة التفاوضية. فقد أعلن في دافوس أن «الكثير من التقدم» أُحرز في المحادثات الروسية الأوكرانية، مشيرًا إلى أن المفاوضات باتت محصورة في «قضية واحدة».
تصريح ويتكوف يوحي بأن العقد الأساسية جرى تفكيكها، وأن ما تبقى قابل للحل في حال توافرت الإرادة السياسية. لكنه في الوقت ذاته يفتح باب التساؤل حول طبيعة هذه القضية العالقة: هل تتعلق بالحدود؟ بالضمانات الأمنية؟ أم بمستقبل الأراضي التي تسيطر عليها روسيا؟
موسكو على خط التفاوض: زيارة حساسة ورسائل مزدوجة
ويتكوف أعلن أنه سيتوجه إلى موسكو برفقة جاريد كوشنر، صهر ترامب، في خطوة تعكس ثقل المهمة وحساسيتها. وقد أكد الكرملين أن الرئيس فلاديمير بوتين يعتزم لقاء المبعوث الأمريكي، ما يشير إلى أن موسكو لا تُغلق الباب أمام الطرح الأمريكي، لكنها تسعى إلى التفاوض من موقع الندّية لا الإملاء.
وجود كوشنر في هذه الجولة يضفي بُعدًا سياسيًا إضافيًا، ويعكس رغبة ترامب في إدارة الملف عبر دائرة ضيقة من المقربين، بعيدًا عن البيروقراطية التقليدية لوزارة الخارجية.
زيلينسكي: من دافوس إلى الاتفاق؟
من جهته، وصف زيلينسكي لقاءه مع ترامب بأنه «مثمر وموضوعي»، مؤكدًا أن الوثائق باتت «أكثر جاهزية». وكان الرئيس الأوكراني قد ربط حضوره منتدى دافوس بإمكانية توقيع اتفاق ملموس، في إشارة إلى رفضه المشاركة في لقاءات رمزية لا تُترجم إلى نتائج عملية.
هذا الموقف يعكس تحولًا في خطاب كييف، من التركيز على حشد الدعم العسكري إلى الدفع نحو تسوية مشروطة، تحفظ ما تبقى من أوراق القوة الأوكرانية قبل أن تفرض الوقائع الميدانية مسارًا أقل ملاءمة.
بين الزخم السياسي والواقع الميداني
رغم المؤشرات الإيجابية، لا تزال الطريق إلى إنهاء الحرب محفوفة بالعقبات. فالمحادثات الثلاثية، وإن كانت خطوة تاريخية، لا تضمن وحدها اختراقًا نهائيًا، في ظل انعدام الثقة المتبادل، وتشابك المصالح الدولية.
لكن ما هو واضح أن دافوس لم يكن هذه المرة مجرد منتدى اقتصادي، بل منصة لإطلاق مسار سياسي جديد، قد يجد اختباره الحقيقي في أبو ظبي. وبين تفاؤل أمريكي حذر، وبراغماتية روسية صامتة، وسعي أوكراني لضمانات صلبة، يدخل النزاع أخطر مراحله: مرحلة التفاوض على النهاية.






