تشهد الساحة العراقية، تصعيداً سياسياً ومذهبياً متداخلاً، أعاد إلى الواجهة عمق الصراع على هوية الدولة واتجاهها السيادي، وذلك مع خطوة مقتدى الصدر بفتح باب «العودة» أمام منشقين عن تياره التحقوا سابقاً بفصائل مسلحة منافسة.
خطوة بدت في ظاهرها تصالحية، لكنها حملت في جوهرها رسائل قوة وتحذير، جاءت في توقيت بالغ الحساسية عقب اغتيال قيادي صدري وتصاعد التوتر في محافظات الجنوب. وبين صراع المرجعيات، وتنافس المشاريع الإقليمية، وانقسام القوى الشيعية بين خيار الدولة المستقلة وخيار الارتهان الخارجي، يقف العراق مجدداً أمام مفترق طرق حاسم، تتداخل فيه السياسة بالعقيدة، وتتشابك فيه حسابات الداخل بإرادات الخارج.
الإصلاح وإعادة هيكلة الدولة
يواجه العراق اختياراً صعباً ومدوياً بين مشروعين متناقضين؛ الإصلاح وإعادة هيكلة الدولة، بما يحفظ لها سيادتها واستقلاليتها، ويمنع نهب مواردها ويبقيها لخدمة شعبها وتحسين أحواله، ويحاسب وفق أطر قضائية مستقلة كل من نهب موارد البلاد وأفسد فيها وتخلى عن حقوقها فى مواجهة الغير، وهو ما تجمع عليه قوى مختلفة سنية وشيعية، ويقودها واقعياً التيار الصدري بحكم شعبيته الجارفة مقارنة بالقوى الأخرى. حسب مركز الأهرام للدراسات السياسية.
استمرار الارتهان لإيران وتوابعها المحلية، وجوهره بقاء العراق خاضعاً لإيران وأتباعها السياسيين والحزبيين، والذين مارسوا الحكم لسنوات طويلة وأفسحوا المجال للنفوذ الإيرانى للتغلغل فى مفاصل الدولة العراقية، وهو ما تصر عليه قوى الإطار التنسيقى، والتى ترى دعوة الإصلاح السياسى غير مبررة الآن، وأن الأولوية هى تشكيل الحكومة برئاسة محمد شياع السودانى المحسوب على نورى الكاظمى رئيس الوزراء الأسبق والذى لعب دوراً بارزاً فى تجسيد تبعية العراق لإيران وإبعاده عن مجاله العروبى.
مقتدى الصدر يعفو عن اتباعه
وفي سياق آخر، منح مقتدى الصدر زعيم «التيار الوطني الشيعي» ما يشبه «العفو» لمجموعة من أتباعه الذين كانوا قد فضّلوا الانشقاق عن تياره والتحقوا بفصائل مسلحة لا يتمتع أغلبها بعلاقات جيدة معه. ومعروف أن معظم قادة وعناصر الفصائل الشيعية المسلحة تعود جذورها إلى مرجعية الراحل محمد صادق الصدر، والد مقتدى الصدر.
وقال الصدر، رداً على سؤال تقدمت به «مجموعة من بغداد» من أتباعه السابقين طالبوه بـ«فتح باب العودة» إلى تياره: «أنا على اطلاع على معاناتكم وأعلم احتياجاتكم، بل وأعلم علم اليقين أن انتماءكم لهم انتماء جسدي ليس إلا». حسب الشرق الأوسط.
وأضاف: «أعلم أن قلوبكم معنا، بل وعقولكم معنا، تحبّون الوطن كما نحبّه، وتبغضون التبعية كما نبغضها. وكما أن قلوبكم معنا فقلبي معكم، وما نسيتكم من الدعاء بالتوفيق والهداية والسداد، فأهلاً بكم متى شئتم. ومن لم يشأ فليكن فيهم ولا يكن منهم، فذلك ظني بكم… نعم، ظني بكم أنكم ما زلتم على العهد، عهد أبينا الصدر. مرحباً بكم في أي زمان وأي مكان، فباب آل الصدر مفتوح دوماً كما عهدتموه».
توتر بين التيار الصدري وبعض الفصائل المسلحة
وجاء باب الصدر المفتوح لـ«التائبين» بعد أيام قليلة من اغتيال القيادي في تيار الصدر و«سرايا السلام» حسين العلاق في مدينة العمارة الجنوبية، وسط اتهامات لـ«عصائب أهل الحق» بالضلوع في عملية الاغتيال؛ وهو ما نفاه أمين عام العصائب قيس الخزعلي في بيان الأسبوع الماضي.
وتشهد المحافظات الجنوبية منذ أيام حالة من التوتر بين التيار الصدري وبعض الفصائل المسلحة، ولا سيما بعد اغتيال القيادي الصدري، الأمر الذي دفع مقتدى الصدر إلى رفع قرار «تجميد» سرايا السلام، الجناح العسكري لتياره، في محافظتي البصرة وواسط الجنوبيتين.
ودعا الصدر، أمس الجمعة، إلى صلاة جمعة موحدة في مدينة العمارة شارك فيها الآلاف من أتباعه، فيما بدا أنه رد مباشر على حادث الاغتيال. ومعروف أن محافظة ميسان، ومركزها مدينة العمارة، تُعد من أبرز معاقل التيار الصدري في الجنوب، إذ هيمن التيار على حكومتها المحلية لأكثر من 15 عاماً، قبل أن يقرر الصدر سحب تياره من البرلمان ورفض المشاركة في الحكومة الاتحادية والحكومات المحلية، الأمر الذي أتاح لقوى من «الإطار التنسيقي» وفي مقدمتها «عصائب أهل الحق» بسط نفوذها على المحافظة.
ويقول قيادي في التيار الصدري، إن «تحركات الصدر الأخيرة تبعث رسائل تحذير واضحة لخصومه من جماعات الفصائل المسلحة التي يطلق الصدر على بعضها توصيف (الميليشيات الوقحة)». ويضيف أن «رفع تجميد السرايا وإقامة الصلاة لا يخلوان من سعي لاستعراض القوة أمام بعض الفصائل التي لا تتورع عن ارتكاب جرائمها ضد أتباع التيار الصدري». حسب الشرق الأوسط.
صعود المرجعية الإيرانية على حساب المرجعية العراقية
ورغم استبعاد القيادي الصدري «وقوع صدامات مسلحة» بين التيار وخصومه في هذه المرحلة، فإنه لا يستبعد احتمال حدوث ذلك لاحقاً «إذا ما استمرت تلك الجماعات في عمليات استهدافها للقيادات الصدرية». ويرى أن «السلوكيات العدوانية التي ترتكبها بعض الفصائل لا يمكن عزلها عن سياق المخاوف التي تحيط بها، خاصة المتعلقة بإمكانية تَصدّر جبهة الراعي الإيراني. إنهم يسعون إلى تقويض قوة التيار الصدري لمنعه لاحقاً من شغل الفراغ الذي قد تخلفه التطورات الإقليمية».
الواضح أن الصراع حول العراق دولة وشعباً لا يقتصر على الأبعاد السياسية، إذ يتضمن أيضاً أبعاداً دينية مذهبية وفقاً للتقاليد الشيعية، لا سيما ما يتعلق بالمرجعية، ما يزيد من تعقيدات الموقف، ويُظهر إلى أى مدى حرص إيران وتوابعها المحلية على تثبيت التبعية العراقية سياسياً ومذهبياً. ومعروف أن هناك منافسة تاريخية بين مرجعيتى النجف العراقية وقم الإيرانية.
ونظراً لحالة الضعف التى مر بها العراق منذ الغزو الأمريكى- البريطانى 2003، فقد ترتب عليها صعود المرجعية الإيرانية على حساب المرجعية العراقية رغم وجود آيات عظمى مثل السيستانى. وفى خضم الأزمة الجارية جاء موقف المرجع الشيعي البارز كاظم الحائري مثيراً للتساؤلات، فقد انتقد التيار الصدري، واعتبر مقتدى الصدر غير مؤهل للمرجعية، وأعلن عدم استمراره شخصياً كمرجع ديني، داعياً شيعة العراق إلى إطاعة الولي الفقيه قائد الثورة الإسلاميّة علي خامنئي، نظراً لعدم قدرته على الاصطدام بالقوى الشيعية الموالية لإيران، حسب بيانه.






