يسعى الاحتلال الإسرائيلي، سياساته الاستعمارية، في تكريس السيطرة على الأحياء الفلسطينية في القدس المحتلة، حيث تتواصل الضغوط القانونية والمالية التي تستهدف الوجود الفلسطيني، لا سيما في حي بطن الهوى ببلدة سلوان، أحد أكثر الأحياء عرضة لمخططات الاستيطان والتهجير.
وفي تطور جديد يثير مخاوف المقدسيين، لجأت جمعية استيطانية إلى استخدام المطالبات المالية الضخمة كأداة إضافية للضغط على العائلات الفلسطينية المهددة بالإخلاء، في خطوة يرى مراقبون أنها تمثل تصعيداً خطيراً يتجاوز دعاوى الاستيلاء على المنازل إلى فرض أعباء مالية قد تعجل بتهجير السكان وإفراغ المنطقة من أصحابها الأصليين، وسط تحذيرات من تداعيات هذه الإجراءات على مستقبل الوجود الفلسطيني في القدس المحتلة.
ابتزاز استعماري للضغط على السكان
وفي تصعيد جديد، تقدمت جمعية “عطيرت كوهنيم” الاستعمارية بدعوى مالية أمام المحكمة المركزية التابعة للاحتلال في القدس ضد عائلة المواطن زهير الرجبي وإخوته، تطالبهم فيها بدفع نحو 1.5 مليون شيقل “بدل استخدام” عن البناية التي يقطنون فيها في حي بطن الهوى.
وفي بيان صادر عن محافظة القدس، تسعى هذه الدعوى إلى إلزام العائلة بدفع مبالغ مالية عن السنوات السبع الماضية مقابل سكنها في بنايتها، في خطوة تعني فعلياً مطالبة أصحاب المنازل بدفع “إيجار” بأثر رجعي عن العقار الذي يعيشون فيه ويدافعون عنه في مواجهة محاولات تهجيرهم والاستيلاء عليه.
هذه الدعوى تأتي بعد أن كانت محكمة الاحتلال قد منحت عائلة الرجبي مهلة حتى 17 أيار 2026 لتنفيذ قرار إخلائها من منزلها في حي بطن الهوى، إلا أن العائلة نجحت في استصدار قرار قضائي بتجميد تنفيذ الإخلاء لمدة 60 يوماً.
أداة موازية لمخططات التهجير القسري
وأوضحت أن لائحة الدعوى المقدمة بتاريخ 14 حزيران 2026 تطالب عائلة الرجبي بدفع مبلغ 1,539,090 شيقلاً بزعم استحقاق “بدل استخدام” للعقار عن السنوات السبع السابقة، إضافة إلى الفوائد حتى موعد السداد.
الجمعية الاستعمارية تطالب كذلك بإلزام أفراد العائلة مجتمعين بدفع مبلغ 18,322 شيقلاً شهرياً بصورة متواصلة اعتباراً من تاريخ تقديم الدعوى وحتى تنفيذ الإخلاء الفعلي وتسليم العقار، إلى جانب تحميلهم كامل رسوم المحكمة وأتعاب المحامين والمصاريف القضائية الأخرى.
ولفتت المحافظة إلى أن هذه المرة الأولى التي تُطالب فيها الجمعية الاستعمارية بمبلغ مالي بهذا الحجم تحت مسمى “بدل استخدام” بحق إحدى العائلات المستهدفة في حي بطن الهوى، بعد سنوات من الاعتماد على دعاوى الإخلاء والاستيلاء على المنازل.
وأكدت أن هذا التطور يشير إلى انتقال خطير نحو استخدام الابتزاز المالي كأداة موازية لمخططات التهجير القسري، بما يفاقم الضغوط المفروضة على العائلات المقدسية المستهدفة ويهدد قدرتها على الصمود في منازلها.
انتهاك واضح للقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية
هذه الممارسات – وفقا لمحافظة القدس- تشكل امتداداً لسياسات التهجير القسري والاستيلاء على الممتلكات الفلسطينية في القدس المحتلة، في انتهاك واضح للقانون الدولي الإنساني ولقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة، التي تحظر على قوة الاحتلال المساس بحقوق السكان الواقعين تحت الاحتلال أو تغيير التركيبة السكانية للأرض المحتلة.
وأوضحت أن دعاوى جمعية “عطيرت كوهنيم” تستند إلى مزاعم ملكية تعود ليهود يمنيين منذ عام 1881 على مساحة تقارب خمسة دونمات و200 متر مربع في حي بطن الهوى، وهي المزاعم التي استخدمت خلال السنوات الأخيرة كأداة للاستيلاء على منازل الفلسطينيين وتهجيرهم.
هذه الدعاوى تكثفت منذ عام 2015، ما وضع أكثر من 84 عائلة فلسطينية تضم نحو 700 مقدسي في دوامة من الملاحقات القضائية أمام محاكم الاحتلال، مؤكدة أن هذه الإجراءات تستند إلى قانون الأمور القانونية والإدارية لعام 1970، الذي يتيح لليهود المطالبة بممتلكات تعود إلى ما قبل عام 1948، في حين يحرم الفلسطينيين من الحق ذاته، بما يشكل نموذجاً صارخاً للتمييز القانوني الممنهج وانتهاكاً لمبدأ المساواة أمام القانون.
تهجير 33 عائلة فلسطينية قسراً
كما أن هذه السياسات أسفرت خلال السنوات الماضية عن تهجير 33 عائلة فلسطينية قسراً من منازلها في الحي والاستيلاء عليها لصالح المستعمرين، فيما ما تزال عشرات العائلات الأخرى تواجه خطر الإخلاء وفقدان مساكنها.
وحذّرت من أن تتحول هذه الدعوى إلى سابقة خطيرة تستخدمها الجمعية الاستعمارية ضد بقية العائلات الفلسطينية في بطن الهوى، سواء العائلات التي تم تهجيرها سابقاً أو تلك التي ما تزال تخوض معارك قانونية للدفاع عن منازلها، عبر فرض مطالبات مالية إضافية تحت ذرائع مشابهة.




