في مشهد يعكس حجم التحديات التي يعيشها قطاع غزة، لم تعد رهبة امتحانات الثانوية العامة مرتبطة بصعوبة الأسئلة أو ضغوط التحصيل الدراسي فقط، بل باتت مرتبطة بعوامل أكثر قسوة تتمثل في انقطاع الكهرباء وضعف خدمات الإنترنت، وهما عنصران أساسيان لنجاح الامتحانات الإلكترونية التي يخوضها آلاف الطلبة هذا العام.
وبين الخوف من الأعطال التقنية والقلق على المستقبل الدراسي، يجد طلبة الثانوية العامة أنفسهم أمام اختبار مزدوج؛ الأول أكاديمي والثاني يتعلق بقدرتهم على تجاوز الظروف الاستثنائية التي فرضتها الحرب وتداعياتها على البنية التحتية والخدمات الأساسية في القطاع.
شهادات طلابية تكشف معاناة الطلاب
الطالب ممدوح هنية 17 عامًا من طلبة الثانوية العامة في قطاع غزة، قال إن الرهبة الحقيقية لامتحانات عام 2026 لا تتعلق بصعوبة الأسئلة أو ضغط الوقت فقط، بل تمتد إلى هاجس انقطاع الكهرباء أو الإنترنت أثناء تقديم الامتحان الإلكتروني عبر برمجية “وايز سكول”.
ويضيف أن “أي انقطاع مفاجئ يعني عمليًا ضياع المستقبل”، موضحًا أن النظام الامتحاني لا يتيح إعادة الدخول إلى نموذج الامتحان في حال انقطاع الاتصال أو الكهرباء بعد فتحه. ويتابع: “نحن ندخل الامتحان ونحن نعلم أن أي لحظة انقطاع قد تعني أن كل شيء انتهى، لا يمكنك العودة للامتحان ولا استرجاع ما كتبته، وكأن سنوات الدراسة كلها تُعلّق على سلك كهرباء أو شبكة إنترنت”. حسب وكالة شهاب.
ويشير إلى أن هذا القلق يرافق الطلبة حتى داخل قاعات الامتحان، حيث يصبح التركيز على الخوف من الانقطاع أكثر من التركيز على الأسئلة نفسها، في ظل اعتماد مراكز الامتحانات على مولدات أو أنظمة طاقة بديلة غير مستقرة.
لحظات عصيبة أثناء الامتحانات
في حين تقول والدة الطالبة شيماء أبو العنين، وهي إحدى طالبات الثانوية العامة في غزة، إن أكبر هاجس تعيشه ابنتها خلال فترة الامتحانات هو الخوف من انقطاع التيار الكهربائي أو الإنترنت أثناء تقديم الامتحان الإلكتروني، وهو ما “ينهش قلبها” على حد وصفها، ويضاعف من توترها النفسي بشكل يومي.
وتسترجع لحظة وصفتها بأنها “الأصعب” خلال اليوم الأول من امتحانات الثانوية العامة، حين واجهت ابنتها مشكلة في التسجيل والدخول إلى منصة “وايز سكول”، حيث بقي النظام غير مستجيب لمدة ساعة ونصف كاملة. وتقول: “كانت جالسة أمام الجوال، وكل دقيقة تمر كأنها سنة… لم تستطع الدخول، ولا نحن استطعنا أن نفعل شيئًا. كنت أشعر أن مستقبل ابنتي يضيع أمام عيني، وأنا عاجزة تمامًا عن مساعدتها”.
وتضيف أن مشاعر القهر والقلق سيطرت عليها في تلك اللحظة، خاصة مع استمرار العطل، قبل أن يتمكن النظام من فتح نموذج الامتحان بعد مرور ساعة ونصف، في تجربة تركت أثرًا نفسيًا بالغًا لدى الأسرة. وتؤكد أن هذا النوع من الضغط النفسي بات يرافق الطلبة في كل امتحان، في ظل الخشية المستمرة من أي خلل تقني قد يحوّل لحظة مصيرية في حياتهم إلى “كارثة غير قابلة للإصلاح”.
مطالب بتأمين إمدادات الكهرباء
وفي سياق متصل، دعت سلطة الطاقة والموارد الطبيعية في غزة إلى تأمين إمدادات الكهرباء خلال فترة امتحانات الثانوية العامة، مؤكدة ضرورة إعطاء أولوية قصوى لتشغيل الطاقة البديلة في الفترة الصباحية، بما يضمن استمرارية تزويد التيار الكهربائي خلال ساعات انعقاد الامتحانات.
وأوضحت السلطة في بيان لها أن إنجاح امتحانات الثانوية العامة يمثل مسؤولية وطنية مشتركة تتطلب تضافر جهود جميع الأطراف، من أجل توفير بيئة مستقرة للطلبة وتمكينهم من أداء امتحاناتهم في ظروف مناسبة قدر الإمكان، في ظل التحديات القائمة على صعيد الطاقة والبنية التحتية.
وطالبت سلطة الطاقة أصحاب المولدات التجارية إلى البدء المبكر بتزويد الكهرباء خلال أيام الامتحانات، بما يضمن وصول التيار واستمراره دون انقطاع خلال الفترة الصباحية التي تشهد انعقاد الامتحانات في مختلف المراكز.
تدمير ما يقارب 85% من شبكة التوزيع
قطاع الكهرباء في القطاع لا يزال يعاني من دمار واسع النطاق، ما ينعكس بشكل مباشر على مختلف القطاعات الحيوية، وفي مقدمتها القطاع التعليمي وامتحانات الثانوية العامة، فضلا عن أن إعادة تأهيل منظومة الكهرباء في قطاع غزة تحتاج إلى نحو 1.5 مليار دولار، في ظل تدمير ما يقارب 85% من شبكة التوزيع، وتوقف شبه كامل لمصادر الطاقة منذ الأيام الأولى للحرب، الأمر الذي يضع المؤسسات الخدمية والتعليمية أمام واقع بالغ التعقيد، حسب تصريحات المتحدث باسم شركة توزيع الكهرباء في محافظات غزة، محمد ثابت، لوكالة شهاب.
متحدث الكهرباء، أشار إلى أن قطاع غزة فقد قدرات توليد وتزويد أساسية كانت تصل إلى نحو 600–680 ميغاواط قبل الحرب، بينها خط التغذية الرئيسي ومحطة التوليد الوحيدة، ما أدى إلى انهيار شبه كامل في استقرار التيار الكهربائي.
وأكد ثابت أن انقطاع الكهرباء لا يمكن فصله عن أزمة الإنترنت والاتصالات، باعتبار أن المنظومات التقنية تعتمد بشكل كامل على استمرارية الطاقة، وهو ما يفاقم المخاطر على الأنظمة الرقمية، بما فيها منصات التعليم الإلكتروني.
ووفقا لوزارة التربية والتعليم، يبلغ عدد طلبة الثانوية العامة في قطاع غزة يبلغ 37,698 طالبًا وطالبة، مشيرة إلى أن هؤلاء الطلبة سيتقدمون للامتحانات عبر برمجية “وايز سكول”، في إطار نسخة استثنائية من امتحان الثانوية العامة لهذا العام، تفرضها الظروف الراهنة في القطاع. تحديات إضافية وبحسب الوزارة، فإن هذه النسخة من الامتحانات تأتي في سياق غير مسبوق، حيث يدخل طلبة الثانوية العامة الامتحانات في ظروف استثنائية تتداخل فيها أزمة الطاقة مع ضعف البنية التحتية للاتصالات، الأمر الذي يفرض تحديات إضافية على سير العملية الامتحانية.




