في تلة مطلة على شمال غرب القدس المحتلة، يقف مسجد النبي صموئيل كواحد من أبرز المعالم الإسلامية التاريخية التي تواجه منذ عقود سياسات إسرائيلية متصاعدة تستهدف تغيير هويته الدينية والثقافية. ومع القرار الإسرائيلي الأخير بالاستيلاء على نحو 109 دونمات من أراضي النبي صموئيل وبيت إكسا، تتجدد المخاوف الفلسطينية من تسارع عمليات التهويد التي تطال المسجد ومحيطه، وسط تحذيرات من استخدام الآثار والقوانين الإسرائيلية لفرض واقع جديد يهدد الوجود الفلسطيني في المنطقة ويطمس طابعها العربي والإسلامي.
يُعد مسجد النبي صموئيل من أبرز المعالم الإسلامية التاريخية المحيطة بالقدس، ويقع فوق موقع أثري تعاقبت عليه حضارات متعددة، فيما تعود أبرز ملامح المبنى القائم إلى الحقبتين الأيوبية والمملوكية. ويضم المسجد مقاماً يُنسب إلى النبي صموئيل عليه السلام، وظل عبر مئات السنين مقصداً للمصلين والزوار من مختلف المناطق الفلسطينية.
فرض سيادة إسرائيلية كاملة على الفضاء الديني
غير أن الاحتلال الإسرائيلي بدأ منذ عام 1967 بفرض تغييرات تدريجية على الموقع، مستنداً إلى رواية دينية يهودية تدّعي وجود قبر النبي صموئيل في المكان، الأمر الذي ترافق مع إجراءات ميدانية متواصلة شملت تقييد وصول الفلسطينيين، وتحويل أجزاء من المسجد إلى كنيس يهودي، وتقليص المساحات المخصصة لصلاة المسلمين.
ومع القرار الإسرائيلي الأخير بالاستيلاء على نحو 109.79 دونمات من أراضي بلدتي النبي صموئيل وبيت إكسا، تتصاعد المخاوف من دخول الموقع مرحلة جديدة من التهويد تستهدف المسجد ومحيطه والوجود الفلسطيني في المنطقة. حسب وكالة وفا.
وترى محافظة القدس، أن الخطوة تمثل حلقة جديدة في سياسة تستهدف فرض سيادة إسرائيلية كاملة على الفضاء الديني والأثري للقرية، في إطار مخطط أوسع يهدف إلى ربط المستعمرات المحيطة بالقدس ضمن حزام استعماري متصل، وتقليص الوجود الفلسطيني في المناطق الواقعة شمال غرب المدينة.
قوات الاحتلال تهدم معظم منازل النبي صموئيل
وتؤكد أن ما يجري في النبي صموئيل يمثل نموذجاً لسياسات التهويد التي تستهدف المقدسات الإسلامية والموروث الثقافي الفلسطيني في القدس المحتلة، في مخالفة للقانون الدولي واتفاقيات حماية التراث الثقافي في أوقات الاحتلال.
وترى محافظة القدس أن القرار الإسرائيلي، الذي جاء تحت مسمى “المصلحة العامة” و”تطوير موقع أثري”، لا ينفصل عن مسار طويل من الإجراءات الهادفة إلى إحكام السيطرة على القرية ومحيطها، وإعادة تشكيل هويتها التاريخية والدينية والجغرافية بما يخدم الرواية الإسرائيلية.
لم يقتصر الاستهداف على المسجد وحده، بل امتد إلى القرية وسكانها. ففي عام 1971 هدمت قوات الاحتلال معظم منازل النبي صموئيل، وهجّرت غالبية سكانها بحجة الحفاظ على الآثار، رغم الوجود الفلسطيني المتواصل في المنطقة عبر مئات السنين.
واليوم لا يتجاوز عدد سكان القرية نحو 300 فلسطيني يعيشون في ظروف معيشية صعبة نتيجة القيود الإسرائيلية المفروضة على البناء والحركة واستصلاح الأراضي. وفي عام 1995 أعلنت سلطات الاحتلال المنطقة المحيطة بالقرية “حديقة قومية”، واستولت على آلاف الدونمات تحت هذا التصنيف، ما أدى إلى عزل القرية وتحويلها إلى جيب محاصر داخل نطاق السيطرة الإسرائيلية.
استخدام أجزاء من المسجد ومحيطه لأغراض عسكرية
سلطات الاحتلال تستخدم ملف الآثار كأداة سياسية لفرض سيادتها على المكان، مشيرة إلى أن الحفريات التي تنفذها منذ مطلع التسعينيات لم تقدم أدلة تثبت الرواية التوراتية التي تروج لها، بينما أظهرت معالم وآثاراً إسلامية واضحة، أبرزها المسجد التاريخي نفسه. ورغم ذلك، تواصل الجهات الإسرائيلية تقديم الموقع في المنشورات السياحية واللوحات الإرشادية باعتباره موقعاً ذا طابع يهودي، مع تغييب شبه كامل للرواية العربية والإسلامية المرتبطة بالمكان.
كما وثقت المحافظة استخدام أجزاء من المسجد ومحيطه لأغراض عسكرية وأمنية، وتنظيم فعاليات ذات طابع تهويدي، إلى جانب الاستيلاء التدريجي على أجزاء من المبنى وتحويلها لخدمة الطقوس اليهودية. ويأتي القرار الإسرائيلي الأخير أمس بالاستيلاء على 109.79 دونمات من أراضي النبي صموئيل وبيت إكسا ليعمق المخاوف بشأن مستقبل المسجد والمنطقة المحيطة به، خاصة أن القرار يشمل أراضي يقع ضمنها الموقع الديني والأثري.




