تحل اليوم الإثنين، الذكرى الـ50 لـ يوم الأرض، والذي يمر هذا العام في سياق استثنائي، تتقاطع فيه رمزية الماضي مع قسوة الحاضر، لتؤكد أن الصراع على الأرض لم يتوقف عند حدود عام 1976، بل دخل مراحل أكثر تعقيداً واتساعاً. فـ”يوم الأرض”، الذي شكّل لحظة فارقة في وعي الفلسطينيين داخل أراضي الـ48، لم يعد مجرد ذكرى نضالية، بل تحوّل إلى مرآة تعكس مساراً مستمراً من السياسات الهادفة إلى إعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا على حساب الوجود الفلسطيني.
وبينما استُشهد ستة فلسطينيين دفاعاً عن أرضهم قبل خمسة عقود، تكشف الأرقام الراهنة عن تصاعد غير مسبوق في وتيرة الاستهداف، سواء من خلال مصادرة الأراضي، أو توسيع الاستيطان، أو الاعتداءات المتكررة على الإنسان والممتلكات. إذ لم تعد أدوات السيطرة تقتصر على القوانين أو الإجراءات الإدارية، بل باتت تشمل منظومة متكاملة من العنف الميداني، والتدمير الممنهج للبنية التحتية، وتقويض مقومات الحياة، كما يظهر بوضوح في قطاع غزة والضفة الغربية.
الشرارة التي أشعلت الجماهير ليوم الأرض
وجاء يوم الأرض بعد هبة الجماهير الفلسطينية في أراضي الـ48 عام 1976، معلنة صرخة احتجاجية في وجه سياسات الاستيلاء والاقتلاع والتهويد التي انتهجتها إسرائيل، وتمخضت عن هذه الهبة ذكرى تاريخية سميت بـ”يوم الأرض”.
وكانت الشرارة التي أشعلت الجماهير ليوم الأرض، إقدام السلطات الإسرائيلية على الاستيلاء على نحو 21 ألف دونم من أراضي عدد من القرى الفلسطينية في الجليل ومنها عرابة، وسخنين، ودير حنا، وعرب السواعد وغيرها في عام 1976؛ وذلك لتخصيصها لإقامة المزيد من المستعمرات في نطاق خطة تهويد الجليل وتفريغه من سكانه العرب، وهو ما أدى إلى إعلان الفلسطينيين في الداخل وخصوصا المتضررين المباشرين الإضراب العام في يوم الثلاثين من آذار. حسب وكالة وفا.
وفي هذا اليوم، أعلنت مدن الجليل والمثلث وقراهما إضرابا عاما، وحاولت السلطات الإسرائيلية كسر الإضراب بالقوة، فأدى ذلك إلى صدام بين المواطنين والقوات الإسرائيلية، كان أعنفه في قرى سخنين، وعرابة، ودير حنا.
نهب مساحات شاسعة من الأراضي ضمن سياسة الضم
ويشير باحثون إلى أن الاستيلاء على الأراضي بهدف التهويد بلغ ذروته في مطلع 1976، بذرائع مختلفة تجد لها مسوغات في “القانون”، و”خدمة الصالح العام”، أو في تفعيل ما يعرف بـ”قوانين الطوارئ” الانتدابية.
ورغم مرور (50 عاما) على هذه الذكرى، لم يملّ فلسطينيو أراضي 48 الذين أصبح عددهم نحو 1.3 مليون نسمة بعدما كانوا 150 ألف نسمة فقط عام 1948، من إحياء ذكرى يوم الأرض، الذي يُجمعون على أنه أبرز أيامهم النضالية، وأنه انعطافة تاريخية في مسيرة بقائهم وانتمائهم وهويتهم منذ نكبة 1948، تأكيدا على تشبثهم بوطنهم وأرضهم.
وفي السياق ذاته، قال الجهاز المركزي للإحصاء، إن مساحات الأرض التي استولى عليها الاحتلال الاسرائيلي عام 2025 بلغ حوالي 6 آلاف دونم. موضحًا في بيان صادر عنه، اليوم الإثنين، لمناسبة يوم الأرض أنه خلال العام الماضي استولى الاحتلال على أكثر من 5,571 دونماً، وتم إصدار 94 أمراً بوضع اليد على حوالي 2,609 دونمات، وثلاثة أوامر استملاك لحوالي 1,731 دونماً، و3 أوامر إعلان أراضي دولة لحوالي 1,231 دونماً، ضمن السياسة الممنهجة والمستمرة للسيطرة على أراضي الفلسطينيين كافة، وحرمانهم من استغلال مواردهم الطبيعية، وضمن سياسة الضم التي تتبعها سلطات الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية.
أرقام صادمة تكشف جرائم الاحتلال بحق المدنيين
استشهد أكثر من 73 ألف شهيداً في فلسطين منذ عدوان الاحتلال الإسرائيلي في السابع من تشرين الأول 2023 وحتى 10 آذار 2026، )72,134 شهيداَ في قطاع عزة(، منهم حوالي 18,500 شهيداً من الأطفال، وحوالي 12,400 من النساء، إضافة إلى نحو 11,200 مفقود، وأصيب نحو 182,000 مواطناً، أما في الضفة الغربية، واصل الاحتلال الإسرائيلي عدوانه؛ إذ استشهد 1,116 مواطناً، وأصيب أكثر من 9,000 آخرين، نتيجة لهجمات قوات الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنين. حسب الأرقام الصادرة عن وزارة الصحة.
منذ عدوان الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، قام الاحتلال الإسرائيلي بتدمير أكثر من 102,000 مبنى، وتقدر أعداد الوحدات السكنية التي تم تدميرها، بشكل كلي أو جزئي، بما لا يقل عن 330,000 وحدة سكنية، وتشكل في مجموعها أكثر من 70% من الوحدات السكنية في قطاع غزة، إضافة إلى تدمير المدارس والجامعات والمستشفيات والمساجد والكنائس والمقرات الحكومية، إضافة إلى آلاف المباني من المنشآت الاقتصادية، وتدمير كافة مناحي البنى التحتية من شوارع وخطوط مياه وكهرباء، وخطوط الصرف الصحي، وتدمير الأراضي الزراعية، ليجعل من قطاع غزة مكاناً غير قابل للعيش.
أما في الضفة الغربية، فقد قام الاحتلال الإسرائيلي خلال العام 2025 بهدم وتدمير نحو 1400 مبنى بشكل كلي أو جزئي، منها 258 مبنى ومنشأة في محافظة القدس (104 عملية هدم ذاتي في القدس)، إضافة إلى إصدار 991 أمر هدم لمنشآت فلسطينية بحجة عدم الترخيص ضمن سياسة تهجير الشعب الفلسطيني.
إرهاب المستعمرين تحت حماية الاحتلال
وفقا للبيان، بلغ عدد المواقع الاستعمارية والقواعد العسكرية الإسرائيلية في نهاية العام 2024 في الضفة الغربية 580 موقعاً، تتوزع بواقع 151 مستعمرة، و256 بؤرة استعمارية، منها 29 بؤرة مأهولة تم اعتبارها كأحياء تابعة لمستعمرات قائمة، و144 موقعاً مصنفاً أخرى، وتشمل (مناطق صناعية وسياحية وخدمية ومعسكرات لجيش الاحتلال).
وفيما يتعلق بعدد المستعمرين في الضفة الغربية، فقد بلغ 778,567 مستعمراً، وذلك في نهاية العام 2024. وتشير البيانات إلى أن معظم المستعمرين يسكنون محافظة القدس بواقع 333,580 مستعمراً (يشكلون ما نسبته 42.8% من مجموع المستعمرين)، منهم 243,716 مستعمراً في منطقة J1 (تشمل ذلك الجزء من محافظة القدس الذي ضمته إسرائيل إليها عنوة بُعيد احتلالها الضفة الغربية في العام 1967)، يليها محافظة رام لله والبيرة، بواقع 157,960 مستعمراً، و110,032 مستعمراً في محافظة بيت لحم، و57,981 مستعمراً في محافظة سلفيت. أما أقل المحافظات من حيث عدد المستعمرين، فهي محافظة طوباس والأغوار الشمالية بواقع 3,077 مستعمراً.
وتشكل نسبة المستعمرين إلى الفلسطينيين في الضفة الغربية حوالي 23.2 مستعمراً مقابل كل 100 فلسطيني، في حين بلغ أعلاها في محافظة القدس حوالي 65.7 مستعمراً مقابل كل 100 فلسطيني.
تدمير الأراضي ونهب الممتلكات
ونفذت سطات الاحتلال الاسرائيلي والمستعمرون تحت حماية جيش الاحتلال الإسرائيلي 23,827 اعتداءً بحق المواطنين الفلسطينيين وممتلكاتهم (وتمثلت هذه الاعتداءات في قتل المواطنين وحرق المنازل والمنشآت والمركبات وسرقة الممتلكات)، وتوزعت هذه الاعتداءات بواقع 5,770 اعتداءات على الممتلكات والأماكن الدينية و1,393 اعتداءات على الأراضي والثروات الطبيعية و16,664 اعتداءً على الأفراد، كما تسببت هذه الاعتداءات باقتلاع وتضرر وتجريف أكثر من 35,273 شجرة منها حوالي 26,988 شجرة زيتون.
ومنذ بداية العام 2026 وحتى نهاية شهر شباط نفذت سلطات الاحتلال الاسرائيلي والمستعمرون تحت حماية جيش الاحتلال الإسرائيلي 3,837 اعتداءً بحق المواطنين الفلسطينيين وممتلكاتهم، وتوزعت هذه الاعتداءات بواقع 791 اعتداءات على الممتلكات والأماكن الدينية و236 اعتداءات على الأراضي والثروات الطبيعية و2,810 اعتداءات على الأفراد.
أضف الى ذلك حرمان الفلسطينيين من الوصول عشرات آلاف الدونمات من الأراضي الزراعية وحرمانهم من مئات آلاف الدونمات من الأراضي الرعوية الأمر الذي أثر سلباً على الأمن الغذائي الفلسطيني في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعيشها الشعب الفلسطيني.






