تمثل الاقتحامات المتكررة للمسجد الأقصى، التي تصاعدت بشكل لافت اليوم الخميس، تطوراً خطيراً في مسار تهويد الحرم القدسي الشريف، وتكريس واقع جديد فيه بالقوة وتحت حماية رسمية من شرطة الاحتلال الإسرائيلي. دخول عشرات المستوطنين إلى باحات الأقصى، وأداء صلوات يهودية وطقوس دينية علنية من بينها “السجود الملحمي”، لم يعد مجرد استفزاز فردي أو حادث معزول، بل تحول إلى سياسة ممنهجة ومدروسة تستهدف تغيير الهوية الدينية للمكان، وفرض أمر واقع جديد يتقاطع مع مشروع سياسي أوسع للسيطرة على القدس الشرقية.
إعادة صياغة المشهد الديني
تواطؤ سلطات الاحتلال في هذه الانتهاكات لم يقتصر على توفير الحماية للمقتحمين، بل تعدّاه إلى قمع المصلين المسلمين ومنعهم من الوصول إلى الأقصى، ما يجعل هذه الاعتداءات ذات طابع ممنهج، يندرج ضمن محاولات إعادة صياغة المشهد الديني والسكاني في المدينة المحتلة. ولا شك أن مشاركة 12 حاخاماً في برنامج اقتحامات يومية يمتد شهراً كاملاً، يعكس نية مبيتة لفرض الطقوس اليهودية كأمر واقع داخل الحرم، ويكشف عن دعم سياسي وأمني مباشر من حكومة اليمين المتطرف.
هذا التصعيد في الأقصى يأتي بالتوازي مع إجراءات تهويد ميدانية في محيط المدينة، كما حصل في قرية العيساوية، شمال شرق القدس، حيث نفذت جرافات الاحتلال حملة هدم وتجريف طالت أراضي زراعية، ومنشآت حيوانية وتجارية، بحجج إدارية اعتادت إسرائيل على استخدامها كأداة لتفريغ الأرض من سكانها الفلسطينيين. هدم أرض مزروعة تضم أكثر من 100 شجرة، وإزالة حظائر أغنام ومرافق مدنية، هو جزء من مشروع أوسع لتغيير معالم المدينة، وتحويلها إلى مجال جغرافي يخلو من أي مظاهر الحياة الفلسطينية.
تكريس السيطرة الكاملة على الأراضي المحتلة
الأخطر في هذه الأحداث ليس فقط حجم الانتهاك، بل التوقيت والسياق السياسي؛ إذ تتزامن هذه السياسات مع ارتفاع أصوات داخل حكومة الاحتلال تدعو إلى ضم الضفة الغربية، وتفكيك السلطة الفلسطينية، وتكريس السيطرة الكاملة على الأراضي المحتلة، في مشهد يُظهر تلازماً بين استهداف الرموز الدينية، والضغط الميداني المتصاعد على الأرض والسكان.
ما يجري في المسجد الأقصى والعيساوية لا يمكن فصله عن مشروع استعماري إسرائيلي مستمر منذ عقود، لكنه يشهد اليوم تصعيداً غير مسبوق بغطاء حكومي واضح. وهذا يتطلب تحركاً عاجلاً من الأطراف العربية والإسلامية، وموقفاً أكثر حزماً من المجتمع الدولي، لأن ترك الأمور تتدهور بهذه الوتيرة ينذر بانفجار واسع لن تقف تبعاته عند حدود القدس. إن استمرار الانتهاكات بحق الحرم القدسي يُفقد إسرائيل ما تبقى من مبررات الحديث عن “الوضع القائم”، ويجعل الحديث عن أي عملية سلام مستقبلية، مجرد وهم لا يلامس الواقع.




