بينما ينشغل العالم بمآلات الحرب في قطاع غزة والمفاوضات الشائكة الجارية في الدوحة، تتفاقم الأوضاع في الضفة الغربية بوتيرة خطيرة تزداد صمتاً وتجاهلاً، رغم ما تحمله من مؤشرات على انفجار أوسع. استشهاد الشاب سيف الدين مصلط (23 عاماً) في بلدة سنجل شمال رام الله، نتيجة اعتداء مستوطنين عليه بالضرب حتى الموت، وإصابة عشرة فلسطينيين آخرين بجروح وكسور، ليس حدثاً منفصلاً، بل جزء من نمط متصاعد من العنف الممنهج الذي تشهده الضفة الغربية منذ السابع من أكتوبر 2023.
عنف المستوطنين كسياسة أمر واقع
الهجوم الأخير، الذي وثقته وكالة الأنباء الفلسطينية، يؤكد تحول المستوطنين الإسرائيليين من قوة هامشية متطرفة إلى طرف فعلي في الصراع، يمارس عنفاً منظماً يتعدى المواجهات التقليدية إلى الإعدامات الميدانية والتخريب المتعمد للممتلكات والبُنى الاجتماعية الفلسطينية. وتكمن خطورة الأمر في ما يبدو أنه تواطؤ – أو على الأقل تراخٍ – من المؤسسة العسكرية الإسرائيلية التي تتيح لهذه الجماعات العمل في مناطق مصنفة “ج” تحت سيطرة إسرائيلية كاملة.
الهجوم على كنيسة قديمة في الضفة الغربية، الذي أدانته وزارة الخارجية الألمانية، يعكس التعدي الواضح على الرموز الدينية، وتهديد التنوع الثقافي والتاريخي للمنطقة، وهو ما يثير مخاوف تتجاوز القضية الفلسطينية لتلامس استقرار التعايش الإقليمي.
الإدانة الأوروبية.. وصدى لا يسمعه أحد
رغم الإدانة الألمانية القوية ودعوة الاتحاد الأوروبي المتكررة إلى حماية الفلسطينيين من عنف المستوطنين، فإن تلك التصريحات لا تجد انعكاساً عملياً على الأرض. غياب آليات الضغط الجادة أو العقوبات الرادعة، يُفسّر لدى الفلسطينيين كجزء من سياسة “ازدواج المعايير” التي تُبقي إسرائيل فوق المحاسبة، وهو ما يعمّق الإحساس بالخذلان والظلم، ويدفع بمزيد من الشباب نحو خيارات أكثر راديكالية.
تصريحات الخارجية الألمانية بشأن “ضرورة التحقيق في الهجمات ومحاسبة المسؤولين” تبدو أقرب إلى الصياغات البروتوكولية، خاصة في ظل سجل طويل من الجرائم التي لم تُفتح فيها أي ملفات تحقيق جادة، أو أُغلقت في ظروف غامضة.
أرقام تفضح صمت العالم
منذ أكتوبر 2023، قُتل ما لا يقل عن 954 فلسطينياً في الضفة الغربية، وفق بيانات السلطة الفلسطينية، بينهم مسلحون ومدنيون، من بينهم أطفال ومسنون. في المقابل، قُتل 36 إسرائيلياً، وفق الأرقام الرسمية. هذه الفجوة في عدد الضحايا تُجسّد اختلال ميزان القوة، لكنها تُخفي وراءها حالة من الاحتقان اليومي الذي يتحول إلى قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أي لحظة.
العدد الكبير من القتلى الفلسطينيين خلال أقل من عام، يشير إلى أن الضفة الغربية لم تعد جبهة “هادئة” أو “ثانوية”، كما كانت توصف سابقاً، بل أصبحت مسرحاً لحرب مفتوحة منخفضة الوتيرة، لا تقل خطراً عن التصعيد في غزة.
سياق سياسي مأزوم يعزّز التطرف
التصعيد في الضفة الغربية لا ينفصل عن السياق السياسي المأزوم داخل إسرائيل نفسها. حكومة نتنياهو التي تعتمد على دعم اليمين المتطرف والمستوطنين، تجد نفسها مدفوعة لمواصلة التغاضي عن عنفهم، بل وتحويله إلى أداة ضغط إضافية على الفلسطينيين في الضفة، في ظل غياب أي أفق سياسي أو عملية تفاوضية جادة.
الضفة، في هذا السياق، تتحول إلى مساحة اختبار للمشروع الإسرائيلي الرامي لتكريس وقائع جديدة على الأرض، عبر توسيع الاستيطان، وتهجير السكان، وضرب النسيج الاجتماعي الفلسطيني، وهو ما يُعدّ تهديداً مباشراً لحل الدولتين، ويقوّض ما تبقى من جهود “السلام”.
تجاهل الضفة… انتحار سياسي للأطراف كافة
الخطر الأكبر يكمن في التجاهل الإقليمي والدولي المتزايد لما يحدث في الضفة الغربية. تركيز المجتمع الدولي على هدنة غزة وتبادل الأسرى، وإهماله لما يجري في الضفة، يعكس فهماً قاصراً لطبيعة الصراع. فالصدامات اليومية، والهجمات المتكررة، وتزايد أعداد الضحايا، تخلق بيئة قابلة لانفجار شامل، قد يجعل من الضفة بؤرة تصعيد قد يصعب احتواؤها مستقبلاً.
كما أن استمرار الاحتلال الإسرائيلي الكامل للضفة دون حل جذري، يخلق أجيالاً فلسطينية جديدة تعيش على الرفض والغضب، ما يعني أن أي تهدئة في غزة ستكون مؤقتة، إذا لم تُرفَق بتغيير حقيقي في السياسة الإسرائيلية تجاه الضفة.
الضفة الغربية تقف على حافة الانفجار في ظل تصاعد عنف المستوطنين، وصمت دولي، وتراخٍ إسرائيلي ممنهج. مقتل الشاب سيف الدين مصلط ليس حادثاً عرضياً، بل جرس إنذار جديد بأن ما يجري في الضفة ليس “اضطرابات موضعية” بل حرب مستمرة بوجوه مختلفة. استمرار التغاضي عن هذا الواقع ستكون له كلفة باهظة على الجميع، داخلياً وإقليمياً، وربما تتجاوز حدود فلسطين إلى المنطقة بأسرها.




