لم تعد الأزمة الصحية في قطاع غزة، مجرد تحدي عابر، بل تحولت إلى تهديد وجودي يمس حياة مئات آلاف المرضى، خاصة أصحاب الأمراض المزمنة، خاصة مع الانهيار شبه الكامل في منظومة الإمدادات الدوائية، حيث بات الدواء الذي يفترض أن يكون حقًا أساسيًا سلعة نادرة، تحدد القدرة على الوصول إليها مصير المرضى بين الاستقرار الصحي أو الانزلاق نحو مضاعفات قد تكون قاتلة.
تكشف الأرقام الصادرة عن وزارة الصحة حجم الكارثة المتفاقمة، حيث وصلت عشرات الأصناف الدوائية إلى أرصدة صفرية، في وقت يواجه فيه مرضى السكري والقلب والسرطان خطرًا متزايدًا نتيجة انقطاع العلاج أو اللجوء إلى بدائل غير مناسبة. ولا يقتصر تأثير هذه الأزمة على الجانب الصحي فقط، بل يمتد ليعكس هشاشة البنية الطبية في ظل الحصار وإغلاق المعابر، ما يعمّق فجوة الاحتياجات ويجعل الاستجابة العلاجية أكثر تعقيدًا.
أرصدة صفرية خاصة أدوية الأمراض المزمنة
عشرات الأصناف من الأدوية الأساسية وصلت إلى أرصدة صفرية، خاصة أدوية الأمراض المزمنة مثل السكري والقلب والسرطان، إضافة إلى نقص حاد في المضادات الحيوية والمحاليل الوريدية وأدوية الطوارئ. ولم تعد الأزمة مجرد نقص مؤقت، بل تحولت إلى انهيار شبه كامل في منظومة الإمدادات الدوائية، مع فقدان مئات الأصناف العلاجية من الصيدليات والمستشفيات. حسب وزارة الصحة في غزة.
يواجه أكثر من 80 ألف مريض سكري خطر انتكاسات خطيرة بسبب نقص العلاج، فيما يواجه آلاف مرضى القلب والضغط خطر الجلطات القاتلة نتيجة انقطاع الأدوية أو تغييرها بشكل غير آمن.
انقطاع الدواء أو عدم توفره في الأوقات المحددة له يُسبب لها مضاعفات تؤدي إلى تعبها وإصابتها بالإعياء الشديد كما أن الاضطررت خلال الفترة الأخيرة مع نقص العلاج في المستوصفات الطبية والمشافي إلى تقليل الجرعة العلاجية للنصف، في محاولة لتوفير بعض حبات العلاج لأيامٍ أخرى”. حسب تصريحات مريم فروانة نازحة في خان يونس جنوبي القطاع، وتعاني من مرض السكري والضغط، لوكالة صفا.
روايات ضحايا نقص الأدوية
هذا التقليص في الجرعات العلاجية – وفقا لمريم – أدى إلى تدهور حالتي الصحية وارتفاع ضغط الدم ومستويات السكر بالدم”.
وتشير إلى أنها حاولت الحصول على العلاج عن طريق شرائه من الصيدليات وبسطات الأدوية، إلا أنها لم تجده وتواجه الكلام ذاته “غير موجود وعليك بالمسكنات”.
الغزية خديجة مصلح، التي تعاني من تجمع للألياف على الرئتين ومرض ضغط الدم، واللذان لم تجد لهما العلاج اللازم خلال الشهرين الماضيين تقول “في مراجعتي الأخيرة للطبيب أخبرني بعدم توافر العلاج الخاص بي، في مخازن وزارة الصحة، وأنه يجب استخدام نوعًا آخر من العلاجات. النوع الجديد شحيح في السوق وثمنه مرتفع، فلم أستطع الحصول على كمية مناسبة تكفي لأيام، واكتفيت بعدد حبات بسيط”. حسب وكالة صفا.
وتابعت “هذا النقص وتبديل العلاجات يؤدي إلى تجمع الألياف على الرئة وعدم تحسنها، ما يجعلني لا أستطيع أخذ أنفاسي بصورة منتظمة، عدا عن ارتفاع ضغط الدم والتسبب في دوار وصداع لا يفارقني”.
العجز في المستلزمات الطبية
الوضع الصحي يزداد تعقيدًا وسوءًا مع استمرار إغلاق المعابر الحيوية – حسب مدير مجمع الشفاء الطبي محمد أبو سلمية – فضلا عن أن القطاع فقّد نحو 48% من الأدوية الأساسية، بينما تجاوزت نسبة العجز في المستلزمات الطبية 70%. كما أن هذا النقص الحاد ألقى بظلاله الثقيلة على مرضى السرطان والكلى والقلب، الذين باتوا يفتقرون لأدنى مستويات الرعاية الصحية.
وكان مدير الإغاثة الطبية في قطاع غزة، الدكتور محمد أبو عفش، قد حذر من تدهور خطير في الوضع الصحي داخل القطاع نتيجة النقص الحاد في الأدوية والمستلزمات الطبية، مؤكداً أن الكميات التي تدخل عبر المعابر محدودة للغاية ولا تلبي احتياجات المرضى، خصوصاً مرضى الأمراض المزمنة الذين يعتمدون على العلاج بشكل مستمر.
وأوضح أبو عفش في حديث مع إذاعة صوت فلسطين، أن النظام الصحي يواجه صعوبات كبيرة في تقديم الخدمات الطبية في ظل نفاد العديد من الأدوية لدى المؤسسات الصحية، بما فيها وزارة الصحة والجمعيات الطبية، إضافة إلى نقص المستلزمات الضرورية لصيانة المولدات وتوفير الزيوت، ما يزيد من تعقيد عمل المستشفيات والمراكز الصحية.




