أدرجت الأمم المتحدة إسرائيل ضمن ما يُعرف بـ“القائمة السوداء” للأطراف المتورطة في أنماط من العنف الجنسي خلال النزاعات، وذلك في تقريرها السنوي لعام 2026، ويأتي هذا الإدراج في سياق تصاعد الاتهامات الحقوقية الموجهة للاحتلال بارتكاب انتهاكات ممنهجة بحق الفلسطينيين، لا سيما داخل مراكز الاحتجاز وخلال العمليات العسكرية، وفي ظل استمرار الحرب على قطاع غزة وتداعياتها الإنسانية المتفاقمة.
وبحسب التقرير، فقد جرى توثيق 31 حالة عنف جنسي ضد معتقلين فلسطينيين، صُنفت ضمن “نمط ممنهج”، وهو توصيف قد يرقى، وفق القانون الدولي، إلى جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية. كما أشار التقرير إلى التحقق من وقائع داخل السجون ومراكز الاحتجاز شملت التعرية القسرية، التفتيش المهين، التهديد بالاغتصاب، والاعتداء الجسدي ذي الطابع الجنسي. وأوضح الشولي أن الفريق الفلسطيني وثّق نحو سبع حالات قُدمت إلى المحكمة الجنائية الدولية، إلى جانب ملفات إضافية لا تزال قيد الإعداد، بعضها مرتبط باعتقالات خلال عمليات عسكرية مختلفة.
انتهاكات خطيرة داخل مراكز الاحتجاز
وفي ما يتعلق بالمسار القانوني، أشار إلى أن التحرك يجري على مسارين متوازيين: الأول عبر المحكمة الجنائية الدولية التي تنظر في طلبات وإجراءات مرتبطة بمذكرات توقيف بحق مسؤولين “إسرائيليين”، والثاني عبر القضاء الدولي والأوروبي وفق مبدأ الولاية القضائية العالمية. كما دعا إلى تحرك دولي أوسع يشمل طرح الملف أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، وطلب توضيح من محكمة العدل الدولية حول طبيعة هذه الانتهاكات.
تقرير الأمم المتحدة الأخير استند إلى شهادات موثقة قدمها أسرى فلسطينيون حول انتهاكات خطيرة داخل مراكز الاحتجاز وخلال عمليات الاعتقال. فضلا عن أن هذه الشهادات تضمنت روايات عن تعذيب جسدي ونفسي، إلى جانب اتهامات باعتداءات جنسية وهتك للعرض خلال عمليات التوقيف والتحقيق، نُسبت إلى محققين وأفراد من الجيش والشرطة “الإسرائيلية”. حسب تصريحات عضو الفريق القانوني الممثل لضحايا فلسطين أمام المحكمة الجنائية الدولية، المحامي خالد الشولي.
الفريق القانوني الفلسطيني – حسب الشولي – وثّق عدداً من هذه الحالات وقدمها إلى المحكمة الجنائية الدولية ضمن ملفات التحقيق الجارية بشأن الانتهاكات بحق المعتقلين الفلسطينيين، مشيراً إلى أن أهمية التقرير الأممي تكمن في صدوره عن مكتب الأمين العام للأمم المتحدة، ما يمنحه وزناً قانونياً وسياسياً يفوق التقارير الحقوقية أو الإعلامية. كما أكد أن آليات الأمم المتحدة تعتمد على التحقق من مصادر متعددة وشهادات ميدانية قبل إدراج أي حالة ضمن تقاريرها السنوية.
مطالبات بفتح تحقيقات دولية أوسع في الانتهاكات الموثقة
وتعود آلية “القائمة السوداء” إلى قرار مجلس الأمن رقم 1960 لعام 2010، الذي أنشأ نظاماً دولياً لرصد العنف الجنسي في النزاعات، وألزم الأمم المتحدة بإصدار تقرير سنوي يتضمن الجهات المتورطة في أنماط متكررة من الانتهاكات. وبحسب المعايير الأممية، فإن الإدراج لا يستند إلى حوادث فردية، بل إلى “نمط ممنهج” يتم إثباته عبر التكرار وتعدد المصادر.
وتكمن الأهمية القانونية لإدراج الجيش “الإسرائيلي” في القائمة السوداء في أنه لا يُعد مجرد توصيف سياسي أو إحصائي، بل يدخل ضمن منظومة توثيق أممية تستند إلى معايير قانونية مرتبطة بالقانون الدولي الإنساني، تعتمد على تحقق متعدد المصادر وشهادات موثقة، ما يمنحها وزناً اعتباريًا في سياق المساءلة الدولية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأنماط “ممنهجة” من الانتهاكات.
هذا الإدراج لا يشكّل حكماً قضائياً بحد ذاته، لكنه قد يُستخدم كقرينة داعمة في مسارات التقاضي أمام المحكمة الجنائية الدولية أو ضمن مبدأ الولاية القضائية العالمية، كما يرفع من مستوى الضغط القانوني والسياسي على الجهة المدرجة، ويفتح الباب أمام مطالبات بفتح تحقيقات دولية أوسع أو توسيع نطاق التحقيقات القائمة في الانتهاكات الموثقة. ورغم الطابع الفني لهذه الآلية، إلا أن إدراج أي طرف يحمل أثراً سياسياً كبيراً، إذ يضعه ضمن قائمة دولية متهمة بارتكاب جرائم خطيرة في سياق النزاعات المسلحة.
تحول مهم في الخطاب الدولي ضد الاحتلال
ووفق تقرير الأمين العام لعام 2026، فإن إدراج “إسرائيل” جاء استناداً إلى “معلومات موثوقة” حول انتهاكات داخل مراكز الاحتجاز وخلال العمليات العسكرية. وأشار التقرير إلى أن القيود المفروضة على دخول فرق التحقيق الدولية حالت دون الوصول الكامل إلى أماكن الاحتجاز، ما يرجّح أن حجم الانتهاكات الموثقة قد يكون أقل من الواقع الفعلي. كما أوضحت الممثلة الخاصة للأمين العام للعنف الجنسي في النزاعات، باميلا باتن، أن الأمم المتحدة تعتمد معايير صارمة تشمل التحقق المتقاطع من الشهادات ومطابقتها مع مصادر متعددة، مؤكدة أن بعض الحالات تضمنت استخدام العنف الجنسي أو التهديد به خلال التحقيق أو الاعتقال.
يرى محللون فلسطينيون أن إدراج “إسرائيل” في هذا التقرير يمثل تحولاً مهماً في الخطاب الدولي، خصوصاً أنه يمس واحدة من أكثر القضايا حساسية في القانون الدولي الإنساني. ويأتي ذلك في ظل تصاعد التقارير الأممية حول الانتهاكات في غزة والضفة الغربية، بما يشمل القتل الجماعي والتدمير الواسع والاعتقالات الجماعية. ورحّب مركز غزة لحقوق الإنسان بإدراج “إسرائيل” على القائمة السوداء، معتبراً الخطوة “إيجابية لكنها متأخرة”، مشيراً إلى أن التقرير وثّق 31 حالة عنف جنسي ضد رجال ونساء وأطفال داخل مراكز الاحتجاز، مع ترجيحات بأن العدد الحقيقي قد يصل إلى الآلاف استناداً إلى شهادات معتقلين سابقين.
وأضاف أن الانتهاكات داخل السجون ومراكز الاحتجاز اتخذت طابعاً واسعاً من الإذلال والعنف المنهجي، متّهماً سلطات الاحتلال بمحاولة التضييق على المؤسسات الحقوقية لمنع التوثيق. كما دعا المركز إلى فتح تحقيق دولي عاجل، وتمكين فرق الأمم المتحدة من دخول مراكز الاحتجاز، ورفع القيود عن الإعلام الدولي، إلى جانب مطالبة المحكمة الجنائية الدولية بتحقيق رسمي. من جهتها، رحّبت حركة حماس بإدراج “إسرائيل”، واعتبرته “اعترافاً دولياً جديداً” بحجم الانتهاكات بحق الأسرى والمعتقلين، داعية إلى الانتقال من التوثيق إلى المحاسبة الفعلية، ووضع حد للإفلات من العقاب.




