لم تمض سوى أيام على توقيع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران حتى عادت المنطقة إلى أجواء التوتر من جديد. فقد أعلنت طهران إغلاق مضيق هرمز للمرة الثانية منذ اندلاع الحرب، متهمة إسرائيل بانتهاك الالتزامات التي نص عليها الاتفاق من خلال مواصلة عملياتها العسكرية في جنوب لبنان.
ويعد القرار الإيراني أخطر تطور منذ توقيع الاتفاق، لأنه لا يستهدف إسرائيل مباشرة فحسب، بل يضع الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة أمام موجة جديدة من عدم اليقين.
لماذا أغلقت إيران مضيق هرمز؟
تقول طهران إن إعادة إغلاق المضيق جاءت رداً على ما تصفه بانتهاك اتفاق وقف الأعمال العدائية.
فمذكرة التفاهم التي تم التوصل إليها بين واشنطن وطهران لم تكن تقتصر على وقف المواجهة المباشرة بين الطرفين، بل تضمنت – وفق الرؤية الإيرانية – تهدئة شاملة في مختلف ساحات الصراع المرتبطة بالحرب، وعلى رأسها لبنان.
لكن استمرار الغارات الإسرائيلية على مناطق جنوب لبنان ووقوع عشرات القتلى خلال الأيام الأخيرة دفع القيادة الإيرانية إلى اعتبار أن أحد أهم بنود الاتفاق قد تم تجاوزه عملياً.
ومن هنا جاء قرار إعادة إغلاق هرمز باعتباره أداة ضغط لإجبار الأطراف الأخرى على الالتزام بالتفاهمات المعلنة.
لماذا يمثل هرمز ورقة ضغط استثنائية؟
لا يوجد ممر بحري في العالم يمتلك أهمية اقتصادية تضاهي أهمية مضيق هرمز.
فالمضيق يشكل الشريان الرئيسي لصادرات النفط والغاز القادمة من الخليج العربي، وتعبره نسبة كبيرة من تجارة الطاقة العالمية يومياً.
ولهذا فإن أي إغلاق أو اضطراب في الملاحة البحرية داخله ينعكس فوراً على أسعار النفط وأسواق المال وسلاسل الإمداد الدولية.
وقد أثبتت الأزمة السابقة أن مجرد الإعلان عن إغلاق المضيق كان كافياً لإحداث قفزات حادة في أسعار الطاقة وإرباك الأسواق العالمية.
لبنان يتحول إلى ساحة الاختبار الأولى
تكشف التطورات الأخيرة أن لبنان أصبح أول اختبار حقيقي للاتفاق الأميركي الإيراني.
فبينما نجحت واشنطن وطهران في وقف المواجهة المباشرة بينهما، بقيت الساحات الإقليمية الأخرى أكثر تعقيداً، خاصة في ظل استمرار الاشتباكات بين إسرائيل وحزب الله.
ومن وجهة النظر الإيرانية، لا يمكن الحديث عن نجاح الاتفاق بينما تستمر العمليات العسكرية ضد حلفائها في المنطقة.
أما إسرائيل فتؤكد أن ضرباتها تأتي رداً على هجمات تتعرض لها قواتها، وتعتبر أن حماية أمنها لا تخضع للتفاهمات الأميركية الإيرانية.
وهذا التباين في تفسير الاتفاق هو ما يهدد بتحويله إلى مصدر جديد للخلاف بدلاً من أن يكون مدخلاً للتهدئة.
هل تنهار المكاسب الاقتصادية للاتفاق؟
جاء الاتفاق بين واشنطن وطهران مصحوباً بتفاؤل اقتصادي واسع.
فقد انخفضت أسعار النفط وبدأت حركة الملاحة تستعيد جزءاً من نشاطها، كما عادت بعض السفن التجارية إلى عبور المضيق بعد أشهر من التوقف.
لكن إعادة إغلاق هرمز تهدد هذه المكاسب بشكل مباشر.
فشركات الشحن العالمية وشركات التأمين تحتاج إلى الاستقرار والثقة أكثر من حاجتها إلى الاتفاقات السياسية. وإذا استمر خطر الإغلاق أو المواجهة العسكرية، فإن حركة التجارة قد تتراجع مجدداً، وقد ترتفع تكاليف النقل والتأمين بصورة كبيرة.
هل تستخدم إيران الاقتصاد كسلاح سياسي؟
يرى مراقبون أن طهران تحاول استثمار موقعها الجغرافي الاستراتيجي لتحويل مضيق هرمز إلى أداة ردع سياسية.
فبدلاً من الرد العسكري المباشر، تستطيع إيران التأثير على الأسواق العالمية ورفع كلفة أي تصعيد ضدها أو ضد حلفائها عبر التحكم في أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
لكن هذه الاستراتيجية تحمل مخاطر أيضاً، لأن استمرار تعطيل الملاحة قد يدفع الدول المستهلكة للطاقة إلى تسريع مشاريع خطوط الأنابيب البديلة وتقليل الاعتماد على هرمز مستقبلاً.
إلى أين تتجه الأزمة؟
يبدو أن مستقبل الاتفاق الأميركي الإيراني أصبح مرتبطاً بما يجري في جنوب لبنان أكثر مما هو مرتبط بطهران أو واشنطن.
فإذا نجحت الجهود الدبلوماسية في احتواء التصعيد وإعادة تثبيت وقف إطلاق النار، فقد يعود المضيق إلى العمل بشكل طبيعي وتستعيد الأسواق ثقتها تدريجياً.
أما إذا استمرت المواجهة بين إسرائيل وحزب الله، فقد تجد المنطقة نفسها أمام مرحلة جديدة من التصعيد تتجاوز حدود لبنان لتشمل أسواق الطاقة والتجارة العالمية بأكملها.






