تتسارع الخطوات الإسرائيلية الرامية، إلى إحكام السيطرة على الأغوار الفلسطينية، ولم تعد المعركة تقتصر على التوسع الاستيطاني التقليدي أو مصادرة الأراضي الزراعية، بل امتدت إلى توظيف المواقع الأثرية والطبيعية كأدوات جديدة لترسيخ السيطرة وفرض وقائع ميدانية يصعب تغييرها مستقبلاً.
ويأتي الإعلان عن تخصيص ميزانيات لترميم مواقع تاريخية في الأغوار، بالتوازي مع الدفع بمشاريع استيطانية جديدة، ليعكس توجهاً إسرائيلياً متكاملاً يربط بين البعد الأثري والسياحي والاستيطاني في إطار استراتيجية تستهدف إعادة تشكيل المشهد الجغرافي والديموغرافي للمنطقة.
تعزيز السيطرة على الحدود الشرقية
وتكتسب الأغوار أهمية خاصة باعتبارها أحد أهم الأقاليم الفلسطينية من الناحيتين الزراعية والاستراتيجية، ما يجعلها في صدارة المشاريع الإسرائيلية الساعية إلى تعزيز السيطرة على الحدود الشرقية للضفة الغربية.
وفي المقابل، يرى الفلسطينيون أن استهداف المواقع الأثرية والطبيعية لا ينفصل عن سياسة أوسع تهدف إلى تكريس الاستيطان وعزل التجمعات الفلسطينية، عبر فرض قيود على الوصول إلى الأراضي والموارد، وتوظيف الرواية التاريخية لخدمة أهداف سياسية وجغرافية بعيدة المدى، الأمر الذي يضع الأغوار أمام مرحلة جديدة من الصراع على الأرض والهوية والوجود.
وفي أحدث هذه الخطوات، أعلن وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش تخصيص ثلاثة ملايين شيكل لترميم برك فصايل التاريخية شمال أريحا، فيما تواصل وزيرة الاستعمار أوريت ستروك الترويج لمشاريع استيطانية جديدة، من بينها إقامة عشرات البؤر الاستعمارية والمعاهد الدينية، إضافة إلى مشروع استيطاني ضخم للحريديم قرب أريحا يحمل اسم “مدينة النخيل”.
الاحتلال يمنح الشرعية للبؤر الاستعمارية
سلطات الاحتلال باتت تستخدم المواقع الأثرية والسياحية كأداة جديدة للسيطرة على الأراضي الفلسطينية، بعد استنفاد وسائل أخرى للاستيلاء عليها، فضلا عن أن ما يجري في منطقة فصايل يتجاوز مسألة ترميم موقع أثري، ويأتي ضمن مخطط أوسع يهدف إلى توسيع مستعمرتي “معاليه إفرايم” و”بتسائيل” وربطهما جغرافياً عبر السيطرة على الأراضي الواقعة بينهما، حسب الباحث في شؤون الاستعمار سهيل خليلية لوكالة وفا.
وتحتل مستعمرة “بتسائيل” – حسب خليلية – موقعاً استراتيجياً في قلب الأغوار، وأن توسيعها سيحدث تحولات جغرافية كبيرة من خلال ربطها بالمستعمرات المنتشرة شرق محافظتي رام الله ونابلس.
الأغوار وجنوب الخليل تتصدران حالياً أولويات الحكومة الإسرائيلية، التي تسعى إلى تسريع تنفيذ مشاريع البنية التحتية وتوسيع الاستيطان ومنح الشرعية للبؤر الاستعمارية، مستغلة الظروف السياسية الراهنة وإمكانية التوجه إلى انتخابات إسرائيلية مبكرة.
السيطرة على المواقع الأثرية
وأقرت الحكومة الإسرائيلية أقرت مؤخراً تعديلات تمنح هيئة الآثار الإسرائيلية صلاحيات واسعة لإدارة المواقع الأثرية، ما يتيح إعلان مساحات واسعة كمناطق أثرية حتى في الحالات التي لا تتوفر فيها مقومات أثرية حقيقية، بهدف إحكام السيطرة على الأراضي المحيطة بها.
وأشار الباحث، إلى أن تجارب مماثلة شهدتها مواقع فلسطينية عدة، من بينها سبسطية وجبل الفرديس وقبة راحيل وبرك سليمان، حيث جرى توسيع حدود المواقع المصنفة أثرية لتشمل مئات الدونمات من الأراضي الفلسطينية.
منطقة برك فصايل أو عين فصايل تخضع لسيطرة الاحتلال الكاملة منذ نحو عام، مشيراً إلى أن سلطات الاحتلال شددت إجراءاتها ومنعت وصول المواطنين إليها بشكل شبه كامل منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023. حسب تصريحات رئيس مجلس قروي فصايل إبراهيم عبيات لوكالة وفا.
وأوضح أن المنطقة أُعلنت منطقة عسكرية وأثرية، ومنع الرعاة والمواطنون من الوصول إليها، فيما يتعرض من يوجد في محيطها للملاحقة والغرامات والاعتقال، رغم أنها شكلت لعقود مصدراً للمياه ومتنفساً طبيعياً لسكان فصايل والتجمعات المجاورة.
الاحتلال يسعى لضم المواقع الأثرية وربطها بالمشاريع الاستيطاني
وفي السياق ذاته، أكد مدير عام وزارة السياحة والآثار في أريحا والأغوار إياد حمدان أن إعلان سموتريتش يأتي في سياق سياسة إسرائيلية ممنهجة تستهدف السيطرة على المواقع الأثرية الفلسطينية وتوظيفها لخدمة الرواية الاستعمارية.
ويسعى الاحتلال – وفقا لـ حمدان – إلى ضم هذه المواقع وربطها بالمشاريع الاستيطانية عبر تشويه الحقائق التاريخية ونسبها إلى روايته الخاصة، كما حدث في عدد من المواقع الفلسطينية.
وأشار إلى أن الاعتداءات الإسرائيلية طالت خلال الفترة الأخيرة مواقع أثرية عدة في محافظة أريحا، من بينها موقع البياضات في العوجا، وتلول أبو العلايق “قصر هيرود الشتوي”، وموقع ديوك، وجبل قرنطل، إلى جانب مواقع أخرى تتعرض لاعتداءات متواصلة من المستعمرين.
ويرى مختصون أن السيطرة على المواقع الأثرية والطبيعية في الأغوار لا تنفصل عن مخطط أوسع يهدف إلى فرض وقائع جديدة على الأرض، وتعزيز الوجود الاستيطاني على امتداد الحدود الشرقية للضفة الغربية، تمهيداً لإحكام السيطرة على واحدة من أكثر المناطق الفلسطينية أهمية من الناحية الجغرافية والزراعية والاستراتيجية.




