تواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي تشديد قبضتها على بلدات وقرى شمال غرب القدس المحتلة، في مشهد يعكس سياسة ممنهجة لقطع أوصال الجغرافيا الفلسطينية وتحويل التجمعات السكانية إلى جزر معزولة بلا قدرة على التواصل أو التطور الطبيعي. منذ ثلاثة أيام، يعيش نحو أربعة آلاف مواطن حالة حصار عملي بعد إغلاق حاجز النفق الذي يربط بلدتي بدو والجيب، وهو الإغلاق الذي استغل الاحتلال العملية الأخيرة في راموت لتبريره، ليكون عقاباً جماعياً بحق سكان المنطقة الذين باتوا يواجهون شللاً في حركتهم اليومية.
ضرب استقرار الأسر
الإجراءات الإسرائيلية لا تتوقف عند البوابات والحواجز العسكرية، بل تمتد إلى سياسة ممنهجة في الهدم وتوزيع الإخطارات، كما حدث صباح اليوم في قطنة والقبيبة، حيث يهدد عشرات المنازل بالزوال بحجة البناء خارج المخطط الهيكلي. يدرك الفلسطينيون أن هذه الحجج ليست سوى أدوات قانونية زائفة لإحكام السيطرة على الأرض، خصوصاً أن سلطات الاحتلال لم تحدّث المخططات الهيكلية منذ سنوات طويلة، رغم التزايد الطبيعي في أعداد السكان. ومع استمرار هذا الإهمال المتعمد، يجد المواطن الفلسطيني نفسه مضطراً للبناء لتلبية احتياجات أسرته، فيتحول لاحقاً إلى متهم مخالف للقوانين الإسرائيلية الجائرة، وتصبح منزله مهدداً بالهدم في أي لحظة.
تتضح معالم المخطط الإسرائيلي بشكل أكبر حين تترافق سياسات الهدم مع إجراءات اقتصادية قاسية. قرار سحب تصاريح العمل من 750 عاملاً من سكان قطنة والقبيبة ليس مجرد إجراء إداري، بل أداة ضغط قاسية تهدف إلى ضرب استقرار الأسر وحرمانها من مصدر رزقها الأساسي. هذا التضييق المتعمد على لقمة العيش، في ظل أوضاع اقتصادية متردية أصلاً، يزيد معدلات الفقر والبطالة، ويفتح المجال أمام سيناريوهات الهجرة القسرية أو الطوعية، وهو ما يتماشى مع المخطط الأوسع لتهجير الفلسطينيين من أرضهم وإفراغ القرى من سكانها.
تقليص الوجود الفلسطيني جغرافياً
البعد الأخطر لهذه السياسات أنها لا تستهدف الأفراد بشكل منفصل، بل تضرب البنية المجتمعية بكاملها. فحين يواجه المواطن خطر هدم منزله أو فقدان عمله، تصبح أولويته البحث عن الثبات والبقاء، بدلاً من التفكير في الإنتاج والتطور. هذه الاستراتيجية تسعى إلى إنهاك المجتمع الفلسطيني وتحويله من فاعل قادر على البناء إلى كيان منشغل بالدفاع عن أساسيات وجوده.
التحدي الذي يواجه أهالي شمال غرب القدس اليوم ليس فقط في مواجهة جرافات الاحتلال وحواجزه، بل في قدرتهم على تعزيز صمودهم بوحدة صف داخلية، وتكامل بين المؤسسات الشعبية والرسمية. ما يتعرضون له هو جزء من معركة أوسع على هوية القدس ومحيطها، حيث يسعى الاحتلال إلى تقليص الوجود الفلسطيني جغرافياً واقتصادياً واجتماعياً. في المقابل، يصبح التشبث بالأرض وتطوير آليات الصمود المجتمعي والاقتصادي، السبيل الوحيد لمواجهة محاولات التهجير الصامتة التي تنفذها إسرائيل تحت غطاء “القانون” وذرائع “الأمن”.





