يظهر من التقرير الدوري الصادر عن المكتب الوطني للدفاع عن الأرض ومقاومة الاستيطان أنّ مشروع الضم الإسرائيلي لم يعد مجرد تهديد سياسي يُستخدم للضغط أو الابتزاز، بل تحوّل إلى سياسة فعلية تُدار على الأرض بوتيرة متسارعة، تحت غطاء حكومي واسع وتنسيق مباشر بين المستوطنين وصنّاع القرار في تل أبيب.
ورغم أن الخطاب الرسمي الإسرائيلي يحاول الظهور بمظهر المترقب أو المتردد، كما في حالة رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو الذي يختبر ردود الفعل الدولية والأميركية، فإن المعطيات تشير إلى أن الضم يُنفَّذ بشكل تدريجي عبر سياسات التوسع الاستيطاني، ومصادرة الأراضي، وفرض الوقائع الميدانية، بما يحوّل التهديد إلى ممارسة عملية قائمة.
تفكيك التواصل الجغرافي الفلسطيني
اللافت أن قادة المستوطنين لا يكتفون بمطالبة نتنياهو بضم الكتل الاستيطانية أو غور الأردن، بل يدفعون باتجاه إعلان “السيادة” على أوسع مساحة ممكنة من الضفة الغربية، وبما يشمل الأراضي المفتوحة والمناطق المصنفة C وحتى مناطق داخل A وB، في مسعى واضح لتفكيك التواصل الجغرافي الفلسطيني ومنع أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية متصلة. هذا التوجه يجد دعماً قوياً من وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي يقود معسكر اليمين الأكثر تشدداً نحو فرض واقع استيطاني شامل، عبر ما يسميه “الحسم”، أي القضاء نهائياً على فكرة الدولة الفلسطينية.
وما يزيد خطورة المشهد هو انكشاف وجود “عصابة سرية” مقربة من سموتريتش تتحكم في دوائر القرار داخل وزارات المالية والاستيطان والجيش، وتعمل على تحويل الأيديولوجيا الدينية الاستيطانية إلى سياسات تنفيذية على الأرض. هذه المجموعة التي تضم ناشطين وقادة ميدانيين، تتحكم في مفاصل الإدارة المدنية والصندوق القومي اليهودي، وتدير مشاريع استيطانية ضخمة بميزانيات هائلة، في وقت تتواطأ فيه مؤسسات الدولة الرسمية مع نشاطها غير القانوني. هذا التغلغل يجعل من الاستيطان مشروعاً منظماً تديره شبكات متداخلة من السياسيين والمستشارين والحاخامات والمنظمات اليمينية المتطرفة.
تهجير الفلسطينيين قسراً
التوسع الاستيطاني لم يعد يقتصر على مصادرة الأراضي أو بناء المستوطنات، بل بات يشمل إعادة إحياء مستوطنات أخليت سابقاً، مثل “حومش”، حيث افتتح المستوطنون مؤخراً روضة أطفال لأول مرة منذ عشرين عاماً، في خطوة تحمل رمزية سياسية تهدف إلى ترسيخ العودة إلى مواقع سبق أن أُزيلت بموجب اتفاقات أو التزامات سابقة. كذلك، يجري بناء أحياء استيطانية جديدة قرب “كريات أربع” في الخليل، بما يعزز مشروع الفصل الجغرافي بين المدن الفلسطينية ويمتد لقطع التواصل بين الضفة الغربية والنقب.
الممارسات الميدانية للمستوطنين، من اعتداءات يومية على المزارعين والسكان، وحرق الأراضي الزراعية، وهدم المنازل، وصولاً إلى استخدام العنف المباشر ضد الأطفال والنساء، تكشف أن الاستيطان لم يعد مجرد مشروع توسع عمراني، بل أداة لتهجير الفلسطينيين قسراً من أرضهم. الدعم الحكومي لهذه الاعتداءات يتجلى في توفير الحماية الأمنية للمستوطنين، وفي التغطية القانونية التي تحوّلهم إلى ذراع شبه رسمية للدولة.
وفي سياق متصل، يكشف تقرير صحيفة “هآرتس” عن تشكيل ما يسمى “قوة أوريه”، وهي وحدة هندسية من جنود الاحتياط والمستوطنين تعمل في قطاع غزة على هدم المباني وتسويتها بالأرض تحت إشراف الجيش، مستخدمةً أساليب غير إنسانية مثل إجبار فلسطينيين على العمل كدروع بشرية. هذه الوحدة تعكس كيف يتم دمج المستوطنين في العمليات العسكرية، بحيث يصبحون جزءاً من منظومة الحرب والاحتلال، بما يتجاوز حدود الضفة الغربية إلى قطاع غزة نفسه.
توسع المستوطنات
كل هذه المعطيات تؤكد أن الضم ليس سيناريو مؤجلاً بانتظار ظروف دولية أو إقليمية، بل عملية متواصلة ومتعددة الأبعاد: سياسية عبر النقاشات داخل الكابينيت، وميدانية عبر توسع المستوطنات ومصادرة الأراضي، وأيديولوجية عبر تحالف الدولة مع منظمات متطرفة كـ”ريغافيم” و”أمانا” و”هاشومير يوش”. وفي حين يواصل نتنياهو لعب دور الموازن بين الضغوط الدولية وحساباته الداخلية، فإن شركاءه في اليمين الديني والقومي يسابقون الزمن لفرض واقع استيطاني يجعل من فكرة الدولة الفلسطينية أمراً مستحيلاً على الأرض.
بهذا، يغدو الحديث عن “تهديد بالضم” مجرد غطاء إعلامي لواقع قائم، حيث يجري تفكيك الضفة الغربية وتحويلها إلى كانتونات معزولة محاطة بالمستوطنات والبؤر، في مشروع يستهدف ليس فقط منع قيام دولة فلسطينية، بل اقتلاع الفلسطينيين تدريجياً من أرضهم.





