في بيان أثار موجة من الجدل، كشف الكرملين أن موسكو لم تتلقَّ أي توضيح رسمي من الولايات المتحدة حول تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن استئناف التجارب النووية، وجاء الموقف الروسي حذراً لكنه مشوب بالقلق، في ظل تصاعد التوترات بين القوتين النوويتين الأكبر في العالم، وعودة الحديث عن سباق تسلّح يشبه أجواء الحرب الباردة.
موسكو ترفع الصوت: صمت واشنطن مري
جاءت تصريحات المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف لتؤكد أن موسكو تنتظر “إيضاحاً رسمياً” من واشنطن بشأن نوعية التجارب المقصودة، خصوصاً أن الولايات المتحدة لم تُجرِ أي تفجير نووي منذ أكثر من ثلاثين عاماً.
ويُذكر أن ترمب كان قد وجّه الشهر الماضي أوامر للجيش الأميركي باستئناف فوري لاختبارات الأسلحة النووية، من دون تحديد طبيعتها أو أهدافها، ما فتح الباب واسعاً أمام التكهنات وردود الفعل الدولية.
عودة القلق الدولي من “الزر الأحمر”
الحديث الأميركي عن تجارب نووية جديدة أعاد للأذهان مشاهد العقود الماضية حين كانت واشنطن وموسكو تتسابقان في اختبار الصواريخ والرؤوس النووية فوق الأرض وتحتها. ورغم توقيع اتفاقيات عدّة لتقييد هذه التجارب، إلا أن عودة النقاش حولها أثارت مخاوف جدية بشأن استقرار النظام الدولي.
ويرى محللون أن هذا التطور يُشكل ضربة قوية لمعاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية (CTBT) التي وُقّعت عام 1996، والتي تهدف إلى منع أي تفجيرات نووية لأغراض عسكرية أو سلمية، فحتى الآن، لم تصدّق الولايات المتحدة رسمياً على هذه المعاهدة، ما يمنحها هامشاً قانونياً للتحرك.
وفي المقابل، حذرت موسكو من أن أي خطوة أميركية في هذا الاتجاه ستدفعها إلى مراجعة سياساتها الدفاعية والنووية، وربما استئناف برامجها الخاصة بالتجارب المتقدمة، بما يعيد مشهد الردع النووي إلى حقبة الثمانينات.
وتشير تقارير استخباراتية غربية إلى أن روسيا قد تردّ بتعزيز قدراتها في تطوير الرؤوس النووية التكتيكية، التي تُعد أخطر من الناحية الميدانية لسهولة نقلها ونشرها في ساحات القتال.
بين السياسة والردع.. واشنطن تلوّح وموسكو تراقب
الولايات المتحدة، وفقاً لمراقبين، تُدرك أن مجرد التلويح باستئناف التجارب النووية يحمل في طيّاته رسائل متعددة: منها الضغط على موسكو في ملفات أخرى كأوكرانيا وأوروبا الشرقية، ومنها أيضاً استعراض القوة أمام الصين التي تواصل تعزيز قدراتها العسكرية.
في المقابل، تتعامل موسكو بحذرٍ تكتيكي واضح، فهي لا تريد الانجرار إلى سباق مكلف يعيدها إلى استنزاف اقتصادي يشبه ما حدث في الثمانينات، لكنها أيضاً لا يمكنها أن تبدو ضعيفة أو مترددة أمام الرأي العام الداخلي.
وتدرك القيادة الروسية أن أي إشارة ضعف في هذا الملف قد تُستغل ضدها سياسياً وإعلامياً، خصوصاً أن العقيدة العسكرية الروسية تعتمد على الردع النووي كأحد أركان الأمن القومي.
وفي هذا السياق، بدأت موسكو بالفعل بإرسال إشارات استعداد غير مباشرة، من خلال إعلانها عن تطوير صواريخ باليستية جديدة من طراز “سارمات” و“يارس”، وهي رسائل مقصودة لواشنطن مفادها أن روسيا لن تقف متفرجة.
سباق العودة إلى الردع النووي
تخشى الأوساط الدولية أن تكون تصريحات ترمب مقدمة لتفكيك ما تبقّى من منظومة الحدّ من التسلّح، خصوصاً بعد انسحاب واشنطن سابقاً من اتفاقية “القوى النووية متوسطة المدى” عام 2019. فاستئناف التجارب يعني عملياً استباحة كل القيود التي حافظت على استقرار العالم منذ نهاية الحرب الباردة.
ويرى دبلوماسيون أوروبيون أن هذا التحوّل يعكس أزمة ثقة بين موسكو وواشنطن، إذ لم تعد لغة المعاهدات والضمانات قادرة على كبح الشكوك المتبادلة.
وفي الوقت نفسه، تتزايد المخاوف داخل الأمم المتحدة من أن تشعل هذه التطورات سباقاً جديداً للتسلح بين القوى الإقليمية مثل الصين والهند وباكستان وكوريا الشمالية.
وحتى داخل الولايات المتحدة نفسها، هناك أصوات من داخل الكونغرس تحذّر من أن العودة إلى التجارب النووية قد تثير موجة انتقادات دولية وتعيد واشنطن إلى موقع المتهم بعد أن كانت تتصدر دعوات “العالم بلا سلاح نووي”.
ردود دولية قلقة وتخوّف من انهيار التوازن
الموقف الأميركي لم يمرّ مرور الكرام على العواصم الكبرى، إذ عبّرت باريس وبكين وبرلين عن قلقها من تصريحات ترمب، معتبرة أن أي استئناف للتجارب النووية قد يفتح “صندوق باندورا” العالمي.
في الصين، دعا المتحدث باسم وزارة الخارجية جميع الأطراف إلى “ضبط النفس واحترام التزاماتها الدولية”، في إشارة إلى ضرورة الحفاظ على معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية.
أما في أوروبا، فقد رأت مصادر دبلوماسية أن موسكو وواشنطن تتعاملان مع التزامات نزع السلاح كأوراق تفاوضية أكثر منها التزامات أخلاقية، ما ينذر بعودة مناخ العسكرة في السياسات الدولية.
وفي الأمم المتحدة، حذر الأمين العام من أن أي انهيار جديد في منظومة التسلّح سيقوّض الأمن العالمي ويقوّي نفوذ القوى المتطرفة التي قد تستغل الانقسام بين الكبار.
روسيا بين الصبر والتحفّز
حتى الآن، يبدو أن موسكو تُفضّل انتظار ما ستقوله واشنطن رسمياً، لكنها في الوقت ذاته تواصل تعزيز جاهزيتها العسكرية. فوزارة الدفاع الروسية أعلنت مؤخرًا عن اختبار ناجح لصاروخ جديد يعمل بالوقود الصلب وقادر على حمل رؤوس نووية متعددة.
هذا التوازن الروسي بين “الصبر الاستراتيجي” و”التحفّز الدفاعي” يعكس دقّة المرحلة، إذ لا تريد موسكو أن تظهر كمن يهدّد السلم العالمي، لكنها أيضاً لا تقبل أن تضعف هيبتها النووية أمام أي تلميح أميركي.
ويشير خبراء إلى أن الكرملين يعتبر الملف النووي “خطاً أحمر سيادياً” لا يمكن التهاون فيه، خصوصاً مع تصاعد التوتر في أوكرانيا والبلطيق، كما أن موسكو تدرك أن أي تنازل أو تراجع في هذا الملف سيؤثر سلباً على توازن الردع العالمي، الذي تراه أساساً لاستقرار النظام الدولي الحالي.
واشنطن تصعّد بلغة الغموض
البيت الأبيض لم يصدر حتى الآن أي توضيح رسمي لتصريحات ترمب حول طبيعة التجارب المقصودة، ما زاد من حدة الغموض، ويرى محللون أن واشنطن تتعمد الإبقاء على هذا الغموض لاعتبارات استراتيجية، فهي تريد إرسال إشارات ردع دون خوض مواجهة فعلية أو استفزاز مباشر لموسكو.
ومع ذلك، فإن الصمت الأميركي يُقرأ في موسكو على أنه تجاهل متعمّد، وربما اختبار لنقاط ضعف الجانب الروسي في التعامل الدبلوماسي.
ويرى مراقبون أن استمرار هذا الغموض سيزيد الضبابية حول مستقبل العلاقات النووية بين البلدين، وقد يدفع الأمم المتحدة للتدخل في وقت قريب.
العالم على أعتاب مرحلة جديدة من التسلّح
التحليلات الدولية تشير إلى أن حقبة “الردع المتبادل” قد تعود بصيغة أشدّ تعقيداً هذه المرة، إذ لم تعد المنافسة محصورة بين روسيا وأميركا، بل دخلت أطراف جديدة تمتلك طموحات نووية متنامية.
ويحذّر خبراء من أن مجرد كسر “تابو التجارب النووية” قد يشجع قوى أخرى على القيام بخطوات مماثلة، ما يجعل النظام الدولي أكثر هشاشة.
وفي حال مضت واشنطن في طريقها، قد تتجه موسكو إلى تسريع برامجها الدفاعية، وربما تستأنف تجاربها في مناطق نائية من سيبيريا أو القطب الشمالي، في رسالة واضحة بأن التوازن يجب أن يُحترم.
أما على الصعيد الإقليمي، فإن دول الشرق الأوسط وكوريا الجنوبية واليابان تتابع بقلق، خشية أن تفتح هذه التطورات الباب أمام سباق تسلّح جديد في مناطق متوترة أساساً.
النووي.. لغة النفوذ بين الكبار
يقول د. ألكسندر بروف، الباحث في معهد موسكو للدراسات الاستراتيجية، إن التصريحات الأميركية الأخيرة ليست مجرد مواقف إعلامية، بل جزء من “إعادة صياغة توازن القوة العالمي”، ويضيف أن واشنطن تحاول من خلال هذه الخطوات اختبار ردود فعل موسكو والصين، في محاولة لاستعادة هيمنتها على النظام النووي الدولي.
ويؤكد بروف أن موسكو تدرك أبعاد هذه الرسائل جيداً، لكنها تفضّل الردّ الهادئ المدروس، لأنها لا تريد منح واشنطن ذريعة لإطلاق سباق تسلّح علني جديد.
ويشير إلى أن أي استئناف للتجارب النووية سيقابل بخطوات روسية محسوبة، منها تطوير أنظمة “الردع الذكي” التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي والأنظمة فوق الصوتية.
الخطر الحقيقي في انهيار الثقة
يرى بروف أن الخطر الأكبر لا يكمن في التجارب بحد ذاتها، بل في تآكل الثقة بين القوتين العظميين، فمنذ نهاية الحرب الباردة، ظلّت معاهدات الحدّ من التسلّح صمام أمان للعالم، لكن انهيارها المتتالي يعيد شبح المواجهة النووية إلى الواجهة، ويضيف أن موسكو ترى في هذا السلوك الأميركي محاولة لإعادة فرض منطق “القوة أولاً”، وهو ما ترفضه روسيا تماماً، لأنها تعتبر الردع النووي وسيلة دفاع وليس ابتزازاً سياسياً.
ويحذر الخبير الروسي من أن استمرار هذه الديناميكية قد يدفع العالم إلى مرحلة أخطر من تلك التي عرفها في الستينات والسبعينات.
ترمب يستخدم النووي كورقة ضغط
يقول جوناثان هاورد المحلل الأمريكي، إن تصريحات الرئيس ترمب حول استئناف التجارب النووية يجب قراءتها في سياق داخلي بالأساس، فهي رسالة موجهة إلى الناخب الأميركي وإلى المؤسسة العسكرية الأميركية معاً.
ويضيف أن ترمب يسعى لإظهار نفسه كقائد قوي يعيد لأميركا هيبتها، خصوصاً في مواجهة الصين وروسيا، وهو يرى أن التلويح بالنووي يحقق هذا الهدف دون تكلفة فورية.
لكن هاورد يحذر من أن اللعب بهذه الورقة قد يفتح الباب أمام ردود فعل لا يمكن السيطرة عليها، خصوصاً من جانب موسكو التي لا تتسامح مع مثل هذه الإشارات، ويرى أن العالم يقف اليوم أمام مفترق طرق حقيقي بين العودة إلى الحوار أو الانزلاق نحو سباق تسلّح شامل.
الوقت ينفد.. والحوار هو المخرج الوحيد
يختتم هاورد تحليله بالتأكيد على ضرورة العودة إلى طاولة المفاوضات النووية، ويقول إن أي خطوة غير محسوبة من أحد الطرفين قد تجرّ العالم إلى أزمة غير مسبوقة منذ أزمة الصواريخ الكوبية.
ويشير إلى أن الحل يكمن في إعادة إحياء القنوات الدبلوماسية بين موسكو وواشنطن، وتحديث المعاهدات القائمة لتناسب المتغيرات التكنولوجية الجديدة، ويحذر من أن تجاهل موسكو أو التقليل من شأن ردّها سيزيد من المخاطر، لأن روسيا لن تسمح بتقويض توازن الردع الذي تراه أساساً لبقائها قوة عظمى.




