أفادت تقارير حقوقية وإعلامية بتورط جنود من الجيش الإسرائيلي في حادثة اعتداء خطيرة، قبل أن يُفرج عن الضحية في صباح اليوم التالي. ونُقل حِمّان إلى المستشفى مصاباً بجروح متعددة، إضافة إلى صدمة نفسية شديدة.
ولا تُعدّ هذه الحادثة واقعةً معزولة، بل تأتي في سياق تصاعد غير مسبوق في عنف المستوطنين في الضفة الغربية منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. فقد شهدت هذه الفترة انتقال العنف من تخريب الممتلكات والاعتداءات الفردية إلى عمليات اختطاف وانتهاكات مطوّلة، في ظل ما تصفه منظمات دولية بتواطؤ متزايد من قبل مؤسسات أمنية إسرائيلية.
ووفقاً لإحصاءات الأمم المتحدة، أُجبر أكثر من 3200 فلسطيني على النزوح القسري خلال العامين اللذين سبقا أكتوبر/تشرين الأول 2025 نتيجة عنف المستوطنين وقيود الحركة. كما أكدت المنظمة الدولية أن شهر أكتوبر 2025 كان الأسوأ من حيث وتيرة هذا العنف في الضفة الغربية منذ بدء توثيقه عام 2006.

ويكشف هذا التصعيد، بحسب مراقبين، عن تحوّل بنيوي داخل مؤسسات الدولة الإسرائيلية، حيث لم يعد عنف المستوطنين يُعامل كظاهرة هامشية، بل بات جزءاً متشابكاً مع سياسات وأداء أجهزة إنفاذ القانون على الأرض.
يعكس هذا التحول داخل المؤسسات الإسرائيلية تغيرات مجتمعية أوسع نطاقاً، إذ تطورت حركة المستوطنين من كونها واحدة من بين عدة فصائل مجتمعية إلى قوة سياسية مهيمنة. ويشغل المستوطنون اليوم مناصب رئيسية في الحكومة والقيادة العسكرية، ويمارسون نفوذاً سياسياً واسعاً على عملية صنع القرار.
ونتيجة لذلك، أصبح عنف المستوطنين متأصلاً بشكل متزايد في المنطق التشغيلي لمؤسسات الدولة، ما حوّل هيئات إنفاذ القانون من جهات يُفترض أنها محايدة إلى أطراف يصفها مراقبون دوليون، على نحو متزايد، بأنها ممكِّنة أو حتى مشاركة في نمط ممنهج من العنف ضد الفلسطينيين. ويمثل هذا التحول، في جوهره، إعادة توجيه واضحة لسلطة الدولة في خدمة مشروع التوسع الاستيطاني بصورة صريحة.
ويكشف غياب المحاسبة عن حجم هذا الخلل المؤسسي. فبين عامي 2005 و2023، أُغلقت أكثر من 93% من تحقيقات الشرطة الإسرائيلية في قضايا عنف المستوطنين من دون توجيه أي اتهامات، في حين لم تؤدِّ سوى 3% منها إلى إدانات. وفي عام 2021، وهو آخر عام تتوفر عنه بيانات كاملة، فتحت السلطات الإسرائيلية 87 تحقيقاً فقط في ما تصفه بـ«الجرائم ذات الدوافع الأيديولوجية»، بينما وثّق مراقبو الأمم المتحدة 585 حادثة عنف في الفترة نفسها.
وبلغ الأمر بقائد الشرطة الإسرائيلية في الضفة الغربية حدّ الادعاء بأن التقارير المتعلقة بعنف المستوطنين «مفبركة» من قبل ما وصفهم بـ«فوضويين يساريين متطرفين».
حكومة أحلام المستوطنين
يتجلى هذا التحول بصورة أوضح في تركيبة الحكومة الإسرائيلية الحالية، التي شُكّلت في ديسمبر/كانون الأول 2022. وللمرة الأولى، يشغل مناصب وزارية رئيسية أفراد ذوو أيديولوجيات مؤيدة للاستيطان بشكل صريح، ولديهم علاقات مباشرة مع بعض أكثر تيارات الحركة الاستيطانية عنفاً.
في هذا السياق، نفذ وزراء بارزون، مثل وزير المالية بتسلئيل سموتريتش ووزير الأمن القومي إيتامار بن غفير — وكلاهما من المستوطنين المعروفين بتوجهاتهم المتطرفة — سياسات تُسهّل وتُضفي شرعية على عنف المستوطنين.
فعلى سبيل المثال، خفف بن غفير بشكل كبير من لوائح تنظيم الأسلحة النارية، إذ صدرت أكثر من 100 ألف رخصة سلاح جديدة منذ أكتوبر 2023، مع منح المستوطنين أولوية الوصول إليها. وفي الوقت نفسه، قام سموتريتش بتوزيع معدات أمنية علناً على البؤر الاستيطانية غير القانونية، وخصص ميزانيات ضخمة لما يُعرف بالميليشيات الاستيطانية، ما أسهم في خلق مناخ يشعر فيه المستوطنون بقدرة أكبر على التصرف من دون خشية من العقاب.
تفكيك الضوابط المؤسسية
وبعيداً عن دور الوزراء كأفراد، سعت الحكومة الإسرائيلية إلى تنفيذ إصلاحات هيكلية تقوض بشكل منهجي الضوابط المؤسسية المفروضة على عنف المستوطنين. ويمثل نقل الهيئة الإدارية المدنية، المسؤولة عن إدارة شؤون الضفة الغربية، من القيادة العسكرية المركزية إلى وزارة المالية برئاسة سموتريتش، تحولاً جذرياً في نظام الحكم.
فعلى مدى عقود، أدت الإدارة المدنية دوراً في تنسيق الخدمات الأساسية، مثل الصحة والتعليم، كما شكّلت قناة اتصال مع السلطة الفلسطينية. غير أن إخضاعها للسيطرة السياسية أضعف إحدى الآليات القليلة القادرة على كبح التوسع الاستيطاني.
وبالمثل، فإن الخطط الرامية إلى إخضاع شرطة الحدود في الضفة الغربية لوزارة الأمن القومي التابعة لبن غفير تهدد بتفكيك هيكل القيادة الموحد الذي لعب دوراً محورياً في إدارة التوترات منذ عام 1967.
الاستسلام للمستوطنين
تزامنت هذه التحولات مع تداخل متزايد بين المستوطنين المدنيين وأفراد الأجهزة الأمنية النظامية. فبعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وزعت السلطات الإسرائيلية نحو 8000 بندقية عسكرية على ما يُعرف بفرق الدفاع المدني في المستوطنات وكتائب الدفاع الإقليمية.
وتعمل هذه الجماعات المسلحة اليوم جنباً إلى جنب مع قوات الأمن الرسمية، إلى حد يصعب معه التمييز بينها. وكثيراً ما يرتدي المستوطنون الزي الرسمي ويحملون أسلحة عسكرية خلال الهجمات على الفلسطينيين، فيما توجد مراكز الشرطة والبنى الأمنية في كثير من الأحيان داخل المستوطنات نفسها، ما يعزز العلاقات الوثيقة بين الطرفين.
ويجعل هذا التقارب الجغرافي والمؤسسي تطبيق القانون بشكل محايد أمراً شبه مستحيل. كما تعمّق هذه الظاهرة بفعل خدمة عدد كبير من المستوطنين كجنود احتياط، ما يخلق هويات متداخلة بين المدني والعسكري.
ويؤدي منسقو الأمن المدنيون دوراً مؤثراً في صياغة السياسات العملياتية العسكرية، من خلال تحديد حدود المستوطنات، وتعيين المناطق المحظورة على الفلسطينيين، بل وقيادة الجنود في بعض الحالات. وغالباً ما تُفسر هذه الاشتباكات على أنها «احتكاكات مدنية» لا جرائم تستدعي التدخل، وعندما يتصاعد العنف، يُعلن عن «حالة طوارئ» تُستخدم عملياً لحماية المستوطنين على حساب الضحايا الفلسطينيين.
تآكل الرقابة القضائية
رغم إقرار المحكمة العليا الإسرائيلية بأن الضفة الغربية أرض محتلة بموجب القانون الدولي، أظهر النظام القضائي الإسرائيلي تاريخياً قابلية للتكيف مع التوسع الاستيطاني. فبينما يخضع المستوطنون للقانون المدني ويتمتعون بحقوق سياسية كاملة، يخضع الفلسطينيون للقانون العسكري، ما ينتج تفاوتات حادة في قضايا العنف وحقوق الملكية.
ورغم أن المحكمة العليا تُبطل أحياناً إجراءات تمييزية، فإنها غالباً ما تستند إلى ذرائع أمنية تسمح باستمرار المشروع الاستيطاني. ففي عام 2022، رفضت المحكمة التماساً لإعادة أراضٍ فلسطينية في الخليل، معتبرة أن الوجود الإسرائيلي هناك جزء من «عقيدة الأمن الإقليمي». كما اتخذت المحكمة في قضايا هدم المنازل مواقف متساهلة تجاه السلطات الأمنية.
التأثير على عملية السلام
لا تقتصر تداعيات هذا الاستسلام المؤسسي لمصالح المستوطنين على الضفة الغربية وحدها. فقد نظر المستوطنون صراحةً إلى الحرب في قطاع غزة بوصفها فرصة لتسريع أجندتهم، ما أدى إلى تهجير أكثر من ألف فلسطيني من ما لا يقل عن 18 تجمعاً سكنياً منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وإلى جانب الكلفة الإنسانية، يُقوّض هذا النمط من النزوح القسري جدوى حل الدولتين، الذي عاد إلى الخطاب الدولي كإطار أساسي للتخطيط لمرحلة ما بعد الحرب على غزة. كما يُضعف أي ادعاء بأن إسرائيل قادرة، في غياب هذا الحل، على فرض سيادة القانون بصورة متساوية على جميع السكان الخاضعين لسيطرتها.
وفي الوقت الذي يركز فيه الفاعلون الدوليون على مفاوضات وقف إطلاق النار وإعادة الإعمار، يستمر العنف في الضفة الغربية في تقويض الأسس الجغرافية والديموغرافية اللازمة لقيام دولة فلسطينية قابلة للحياة، ما يجعل احتمالات التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار أكثر بعداً، وتداعيات ذلك على مستقبل عادل أكثر خطورة.





