يعود ملف الفيدرالية في سوريا ليظهر بقوة في وقت حساس من عمر الأزمة السورية، حيث تتجدد المطالب من بعض المكونات المحلية، مثل الأكراد والدروز، بتوسيع هوامش حكمها الذاتي، في مقابل تمسك الحكومة السورية المركزية بوحدة الدولة السورية وفقًا للنموذج التاريخي القائم على المركزية. هذا النقاش يضاف إلى تعقيدات المشهد السوري المتشابك مع التدخلات الإقليمية والدولية التي باتت أكثر وضوحًا، مع استمرار ضغوط القوى الخارجية التي تدفع نحو تغيير جذري في طريقة إدارة سوريا ومؤسساتها.
تتمثل إحدى القضايا الأكثر إثارة للجدل في الخلاف بين الحكومة المركزية في دمشق، التي تسعى للحفاظ على وحدة سوريا، وبين المطالبات الكردية والدرزية بتوسيع صلاحياتهم في إطار حكم ذاتي موسع. هذا الموضوع يعكس مدى القلق في دمشق من أن هذه المطالب قد تمهد الطريق للفيدرالية، وهو ما تعتبره تهديدًا لوحدة الدولة السورية. من جهة أخرى، يعتبر المؤيدون للفيدرالية أنها الحل الوحيد لضمان حقوق الأقليات، التي طالما شعرت بالتهميش في ظل النظام المركزي.
الاجتماع الثلاثي في باريس
الاجتماع الذي جمع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مع نظيره الفرنسي والوفد الأميركي، كان نقطة فارقة في هذا النقاش. فقد أشار البيان الختامي للاجتماع إلى دعم “الانتقال السياسي” و”وحدة سوريا”، في وقت حساس، بينما تحدثت مشاورات باريس عن ضرورة إجراء حوار مباشر بين الحكومة السورية و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، في إشارة إلى الدعم الغربي للأكراد. هذا الموقف أضفى مزيدًا من التعقيد على الموقف السوري، حيث يعتبر الكاتب السياسي مؤيد غزلان قبلاوي أن البيان تجاهل الانتهاكات الإسرائيلية في الجنوب السوري، في وقت يستمر فيه دعم بعض الجماعات المسلحة في السويداء. من وجهة نظره، فإن بعض الأطراف المدعومة خارجيًا تحاول فرض “الفيدرالية كغطاء للانفصال”، وهو ما يُعدّ تهديدًا لوحدة سوريا.
في مقابل هذا الموقف الرسمي، يقدم الباحث رستم محمود تحليلًا مغايرًا، حيث يعتبر أن رفض الفيدرالية من قبل الحكومة السورية يعكس تمسكًا بنهج لا يتماشى مع مفاهيم الديمقراطية الحديثة. بحسب محمود، فإن الفيدرالية ليست بالضرورة مشروعًا تقسيميًا، بل هي آلية للحفاظ على التوازن بين المكونات المختلفة وضمان حقوق الأقليات. في سياق متصل، يشير محمود إلى أن البلدان الكبرى مثل الولايات المتحدة وألمانيا تعتمد على النظام الفيدرالي لضمان التعددية، وهو نموذج يمكن أن يتبناه السوريون في المستقبل. ويرى أن سوريا، بسبب تاريخها المتمركز حول دمشق، لم تعطِ الأطراف الأخرى مثل الحسكة أو السويداء حقها في السلطة واتخاذ القرار، وبالتالي فإن الفيدرالية قد تساهم في تصحيح هذا الوضع.
إسرائيل والتأثيرات الإقليمية
التدخل الإسرائيلي في الشأن السوري يبقى عاملًا مهمًا في تعقيد الوضع في جنوب البلاد. وفي الوقت الذي تتهم فيه الحكومة السورية إسرائيل بدعم الفصائل المسلحة في السويداء، يرى بعض المراقبين أن هذه التدخلات قد تعزز من موقف دمشق في مطالبتها بوحدة البلاد. لكن ما يعكسه هذا السياق هو أن القضية السورية باتت معقدة بشكل كبير، حيث تتداخل المصالح الإقليمية والدولية في العديد من الجبهات.
من جانبه، قدم توم حرب، مدير “التحالف الأميركي الشرق أوسطي للديمقراطية”، تحليلًا أكثر براغماتية، حيث أشار إلى أن إدارة الرئيس الأميركي الحالي لا تملك استراتيجية واضحة تجاه سوريا، لكن الكونغرس الأمريكي يضغط من أجل ضمان حقوق الأقليات. وحسب حرب، فإن الفيدرالية هي الحل الأنسب لحفظ وحدة سوريا مع احترام التنوع العرقي والديني فيها. ويرى أن الرئيس أحمد الشرع، الذي يقود الحكومة السورية الحالية، لا يملك أدوات حقيقية لبناء دولة متكاملة، بل يظل يعتمد على مجموعات عشائرية متفرقة، مما يساهم في غياب الاستقرار المؤسسي.
التحديات المستقبلية
في النهاية، يبدو أن سوريا تتجه نحو مرحلة جديدة حيث لم تعد الحلول الشكلية أو الدول الأمنية قادرة على تحقيق الاستقرار. يبدو أن نموذج الحكم المركزي في البلاد قد وصل إلى طريق مسدود، حيث تتزايد الضغوط الداخلية والخارجية من أجل تحقيق تسوية توافقية تنهي التوترات بين مختلف المكونات السورية. يبقى السؤال مطروحًا: هل يرضخ الرئيس أحمد الشرع للضغوط الداخلية والدولية، ويقبل بنموذج أكثر تشاركية يعترف بالتعددية، أم سيستمر في التمسك بالمركزية التاريخية، مما قد يعرض البلاد لمزيد من الانقسام؟
إن النقاش حول الفيدرالية في سوريا يعكس الصراع المستمر بين النمط التاريخي للمركزية السورية والمطالب الجديدة بالأقليات، في وقت تواجه فيه البلاد تحديات اقتصادية وسياسية وأمنية هائلة. مع ازدياد التدخلات الإقليمية والدولية، يصبح من الصعب على القيادة السورية الحالية التمسك بالنموذج المركزي دون إجراء تغييرات هيكلية في كيفية إدارة البلاد، وهو ما قد يفتح الطريق لتبني أنظمة حكم أكثر مرونة مثل الفيدرالية، التي قد تكون الضمانة الوحيدة لوجود سوريا موحدة لكنها متجددة تحت ظل التعددية.






