في مشهد إقليمي شديد الحساسية، أعلنت إيران استعدادها لـ«التوصل سريعاً إلى اتفاق» مع الولايات المتحدة، لكن بشروط واضحة لا تحتمل التأويل، أبرزها حصر المفاوضات في برنامجها النووي فقط، ورفض الخوض في ملفي الصواريخ الباليستية أو الجماعات الإقليمية المرتبطة بها، بالتزامن مع تحذيرات أميركية من أن «صبر» الرئيس دونالد ترمب «بدأ ينفد»، وسط تعزيزات عسكرية أميركية متسارعة في الشرق الأوسط.
ويأتي هذا التطور في وقت تتكثف فيه التحركات الدبلوماسية الإقليمية، بمشاركة دول فاعلة بينها تركيا ومصر وقطر، سعياً لاحتواء أي تصعيد محتمل قد يقود إلى مواجهة أوسع، خاصة مع تصاعد لهجة التهديد المتبادل بين طهران وواشنطن.
طهران: اتفاق سريع بشروط
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي عبر في تصريحات لشبكة CNN، عن ثقته بإمكانية التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة بشأن البرنامج النووي، مؤكداً في الوقت نفسه رفض بلاده لأي مفاوضات تتعلق بالقدرات الصاروخية أو النفوذ الإقليمي.
وقال عراقجي إن إيران «فقدت الثقة بالولايات المتحدة كشريك تفاوضي»، لكنه أشار إلى أن تبادل الرسائل غير المباشرة عبر «دول صديقة في المنطقة» قد يفتح الباب أمام محادثات مثمرة، دون الالتزام بمفاوضات مباشرة، وشدد على أن التركيز يجب أن يكون على «جوهر المفاوضات لا شكلها».
وفيما يتعلق بالمطالب الإيرانية، أوضح عراقجي أن طهران تنتظر رفع العقوبات الأميركية التي أثقلت كاهل الاقتصاد الإيراني لأكثر من عقد، إلى جانب الاعتراف بحق إيران في تخصيب اليورانيوم لأغراض سلمية.
تحذيرات من حرب إقليمية
جدير بالذكر أن التصريحات الإيرانية ترافقت مع لهجة تصعيدية من المرشد الإيراني علي خامنئي، الذي حذر من أن أي ضربة أميركية ستقود إلى «حرب إقليمية»، مؤكداً أن بلاده لا تسعى لمهاجمة أي دولة، لكنها سترد «بضربة قوية» على أي اعتداء.
وقال خامنئي، خلال كلمة ألقاها في طهران، إن الأميركيين «يجب أن يعلموا أن المبادرة بالحرب هذه المرة لن تكون محدودة»، مكرراً التحذير ذاته عبر منصة «إكس».
في المقابل، لم يحسم الرئيس الأميركي دونالد ترمب قراره بشأن الخيار العسكري، رغم تصاعد التحذيرات الصادرة عن إدارته.
وأكد ترمب، في رد على تصريحات خامنئي، أن العالم «سيعرف قريباً» ما إذا كانت إيران محقة في تحذيراتها، مشيراً إلى امتلاك الولايات المتحدة «أكبر وأقوى السفن الحربية في العالم».
وتشير تقارير أميركية إلى أن البنتاجون يشرف حالياً على نشر منظومات دفاع جوي إضافية لتأمين القوات الأميركية في الشرق الأوسط، في خطوة تعكس استعداداً لأسوأ السيناريوهات، دون أن تعني بالضرورة حسم قرار المواجهة.
مفاوضات معطلة وضغوط متبادلة
ووفقاً لشبكة CNN، فإن فرص استئناف المفاوضات لا تزال تواجه عراقيل كبيرة، أبرزها إصرار إيران على حصر النقاش في الملف النووي، مقابل رفض واشنطن تقليص وجودها العسكري في المنطقة، وهو ما يلقي بظلال ثقيلة على أي مسار دبلوماسي محتمل.
ورغم تأكيد عراقجي أن بلاده «مستعدة للحرب إذا فشلت المحادثات»، فإنه حذر من أن أي صراع سيكون «كارثياً على الجميع»، مشيراً إلى أن القواعد الأميركية في المنطقة ستكون ضمن دائرة الاستهداف، في حال اندلاع مواجهة شاملة.
جدير بالذكر أن جذور التوتر بين الولايات المتحدة وإيران إلى عقود طويلة من القطيعة السياسية والعقوبات المتبادلة، لكنها تصاعدت بشكل ملحوظ منذ انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي عام 2018، في عهد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وإعادة فرض عقوبات اقتصادية قاسية على طهران، ما دفع الأخيرة إلى تقليص التزاماتها النووية تدريجياً ورفع مستويات تخصيب اليورانيوم.
محاولات إحياء الاتفاق النووي
ورغم محاولات متكررة لإحياء الاتفاق النووي عبر وساطات أوروبية وإقليمية، فإن المفاوضات ظلت تراوح مكانها بسبب الخلافات العميقة حول ملفات شائكة، أبرزها البرنامج الصاروخي الإيراني، ودور طهران الإقليمي، وهو ما تصر الولايات المتحدة وحلفاؤها على إدراجه ضمن أي اتفاق جديد، مقابل تمسك إيران بحصر التفاوض في الملف النووي فقط.
وكانت السنوات الأخيرة، قد شهدت منطقة الشرق الأوسط سلسلة من المواجهات غير المباشرة بين الطرفين، سواء عبر هجمات على قواعد أميركية أو تصعيد بين إسرائيل وجماعات مدعومة من إيران، ما عزز المخاوف من انزلاق المنطقة إلى مواجهة مفتوحة، خاصة مع استمرار الوجود العسكري الأميركي المكثف في الخليج والعراق وسوريا.
وتأتي التحذيرات المتبادلة الحالية في ظل مناخ إقليمي ودولي شديد التعقيد، يتزامن مع مساعٍ دبلوماسية تقودها دول إقليمية فاعلة لاحتواء التصعيد ومنع اندلاع حرب شاملة، وسط قناعة متزايدة بأن أي مواجهة مباشرة بين واشنطن وطهران لن تقتصر آثارها على الطرفين، بل ستمتد بتداعياتها السياسية والاقتصادية والأمنية إلى المنطقة بأسرها.






