أعلنت فرنسا رسمياً تسليم آخر قواعدها العسكرية في غرب إفريقيا، وذلك مع استكمال انسحابها من معسكر “غايل دي واكام” في داكار، يوم 17 يوليو 2025، إيذاناً بنهاية وجودها العسكري في السنغال، بعد أشهر من انسحاب مماثل من ساحل العاج وتشاد والنيجر.
ويأتي هذا الانسحاب نتيجة تصاعد الضغوط الشعبية المطالبة برحيل القوات الأجنبية، في ظل فشل التجارب العسكرية الفرنسية في إحلال الأمن، خصوصاً بعد إخفاق عمليات مثل “برخان” و”سيرفال” في الحد من تهديد الجماعات المسلحة في منطقة الساحل.
من النفوذ إلى الغياب: انحسار القوة الفرنسية
لفترة طويلة، اعتمدت فرنسا على اتفاقيات دفاع مشترك وقواعد استراتيجية للحفاظ على حضورها العسكري في مستعمراتها السابقة، حيث نشرت نحو 10 آلاف جندي في إفريقيا جنوب الصحراء بعد الاستقلال، ونفذت أكثر من 30 تدخلاً عسكرياً منذ ستينيات القرن الماضي.
لكن الانقلابات السياسية وصعود الحركات السيادية غيّرا قواعد اللعبة. ففي النيجر، أدى انقلاب 2023 إلى خروج كامل للقوات الفرنسية، كما ألغت تشاد في نوفمبر 2024 اتفاق الدفاع مع باريس، تبعاً لمواقف مماثلة في الغابون وساحل العاج.
جيبوتي: آخر القواعد المتبقية
مع الانسحاب من غرب ووسط إفريقيا، تبقى جيبوتي القاعدة الفرنسية الوحيدة ذات الحضور الدائم، حيث يتمركز فيها 1500 جندي في إطار اتفاق دفاع يعود إلى العام 1977، وتم تحديثه في 2014. وتبقى القاعدة ذات أهمية استراتيجية في القرن الإفريقي.
مأزق البدائل.. وعودة الحلفاء الجدد
يشير مراقبون إلى أن الفراغ الذي خلفه الانسحاب الفرنسي، خصوصاً في مالي والنيجر، فتح المجال أمام دخول لاعبين جدد، مثل مجموعة “فاغنر” الروسية. غير أن وجود هذه القوى لم يؤدِّ إلى تحسن أمني ملموس، بل ارتفعت وتيرة الهجمات والانتهاكات، وسط غياب آليات رقابة دولية بعد انسحاب بعثة الأمم المتحدة أيضًا.
هل تملك إفريقيا القدرة على إدارة أمنها؟
يؤكد باكاري سامبي، مدير معهد تيمبوكتو، أن استمرار الاعتماد على قوى أجنبية أو مجموعات شبه عسكرية لم يعد مجديًا، داعيًا إلى أفْرقة الجهود الأمنية، وتفعيل آليات التعاون داخل الاتحاد الإفريقي والمجموعات الإقليمية.
ويرى محللون أن على إفريقيا الاستثمار في الكفاءات الدفاعية وتنسيق الموارد، من أجل تأسيس قوة مشتركة قادرة على التصدي للتهديدات العابرة للحدود، مثل الإرهاب والهجرة غير النظامية والتهريب.
فرنسا أمام لحظة مراجعة
مع تصاعد الاحتجاجات الشبابية وخفوت تأثير النخب المتحالفة تقليديًا مع باريس، تجد فرنسا نفسها اليوم في موقع دفاعي، مضطرة لإعادة صياغة علاقتها بإفريقيا. لم يعد النموذج القائم على السيطرة العسكرية والرمزية الاستعمارية مقبولًا، بل بات من الضروري، وفق محللين، إعادة تأهيل الوجود الفرنسي في القارة ضمن مقاربة تحترم السيادة وتلبي تطلعات المجتمعات الإفريقية.






