يعكس الاقتحام الأخير الذي نفذه وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير للمسجد الأقصى، وقيامه بأداء صلاة علنية فيه، تطوراً خطيراً في مسار الصراع على الحرم القدسي الشريف، ويمثل تحدياً غير مسبوق لما يُعرف بـ”الوضع القائم” في المسجد، الذي بقي لعقود يُعدّ الترتيب الضامن لحدود السيطرة الدينية والسياسية داخل هذا الموقع بالغ الحساسية.
فما أقدم عليه بن غفير ليس مجرد استفزاز رمزي أو موقف دعائي كما اعتاد منذ دخوله الحياة السياسية، بل هو تصعيد محسوب يعبّر عن مشروع سياسي ديني متكامل يسعى لفرض سيادة يهودية فعلية على المسجد الأقصى، ويُعدّ امتدادًا لمواقف أيديولوجية لطالما عبّر عنها صراحة، وتقوم على رفض أي شراكة أو اعتراف بالحقوق الفلسطينية أو الإسلامية في المدينة المقدسة.
فرض سردية دينية
خطورة هذا التصعيد تتضاعف بالنظر إلى عدة معطيات مرافقة. أولاً، أن بن غفير لم يقتحم الأقصى بصفته الشخصية، بل كوزير في الحكومة الإسرائيلية، بل وقاد صلوات علنية على مرأى من الشرطة، في سابقة هي الأولى من نوعها. وثانياً، أنه لم يكتفِ بتأدية طقس ديني، بل ربطه مباشرة بدعوة إلى احتلال قطاع غزة وطرد حركة “حماس”، بل والفلسطينيين عامة من القطاع، وتطبيق ما وصفه بـ”تشجيع الهجرة الطوعية”، في خطاب يحمل بوضوح أبعاداً تطهيرية وعنصرية، وينذر بتحول هذه المواقف من أطراف هامشية إلى سياسات رسمية.
ما يزيد من حساسية هذا الحدث هو التوقيت، إذ جاء في ذكرى “صيام التاسع من آب” وفق التقويم العبري، وهي مناسبة دينية مرتبطة بما يُعرف في الرواية التوراتية بذكرى خراب الهيكل، والتي تستغلها الجماعات اليمينية المتطرفة لتأكيد مطالبتها بـ”إعادة بناء الهيكل الثالث”، على أنقاض المسجد الأقصى. وبهذا، فإن ظهور بن غفير في هذا السياق، وهو يبكي ويقود الصلاة، يعكس محاولة متعمدة لفرض سردية دينية-سياسية على المكان، تمهيداً لتحولات فعلية في الوضع القائم.
تفجير صراع ديني
الردود الفلسطينية والعربية جاءت غاضبة وواضحة، وأجمعت على أن ما جرى ليس مجرد انتهاك، بل يمثل “تحولاً نوعياً وخطيراً”، وتهديداً مباشراً لتفجير صراع ديني أوسع في المنطقة. التحذيرات الرسمية الفلسطينية من أن “المخطط لم يعد نظرياً” بل بدأ يتجسد فعلياً على الأرض، تجد صداها في القلق الأردني أيضاً، لا سيما أن المملكة الهاشمية هي صاحبة الوصاية على المقدسات الإسلامية في القدس، بموجب اتفاقيات دولية قائمة منذ ما بعد احتلال عام 1967. وتؤكد تصريحات الخارجية الأردنية أن ما حصل “استفزاز وتصعيد”، وأنه لا سيادة لإسرائيل على الحرم القدسي، بما يتناقض بشكل صارخ مع ما تسعى حكومة نتنياهو لتكريسه عبر وزرائها.
هذا التصعيد يضع المجتمع الدولي أمام اختبار جدي. فمحاولات نتنياهو المتكررة للتخفيف من وقع ما يفعله بن غفير، عبر تصريحات تقول إن “الوضع القائم لم يتغير”، لم تعد تقنع أحداً، لا سيما في ظل ما تكشفه التقارير الإعلامية الإسرائيلية نفسها، التي تؤكد أن الوزير اليميني “يحطم الوضع القائم فعلياً” في كل مرة يدخل فيها المسجد. وفي المقابل، فإن غياب رد حاسم من المجتمع الدولي يشجّع هذا المسار نحو التقسيم المكاني الفعلي للمسجد، وهو ما يخشاه الفلسطينيون بعد تجربة الحرم الإبراهيمي في الخليل، حين أدى مذبحة المستوطن غولدشتاين عام 1994 إلى تقسيم الحرم بين المسلمين واليهود.
كذلك، فإن أداء بن غفير للصلاة في الأقصى ينسف فعلياً الخط الفاصل بين “زيارة” غير المسلمين – التي كانت تجري وفق ترتيبات محددة – وبين ممارسة طقوس دينية علنية، ما يفتح الباب لتكرار المشهد بشكل يومي وربما مؤسسي لاحقاً، وهو ما يعيد إلى الواجهة مطالبات اليمين الإسرائيلي بإقامة “هيكل” على أنقاض المسجد، أو على الأقل، فرض نوع من “الشراكة” الدينية في المكان.
جمود سياسي إقليمي
إن استمرار هذا السلوك السياسي المدفوع بالعقيدة الدينية، والمُغطى بتحالفات حكومية تمنح بن غفير هامشاً واسعاً للمناورة، يعني أن احتمال اندلاع موجة جديدة من العنف في القدس والضفة الغربية بات أكثر ترجيحاً من أي وقت مضى. وما لم يتم كبح جماح هذا المشروع في بداياته، فإن المنطقة قد تكون مقبلة على انفجار ديني لا تحمد عقباه، خصوصاً في ظل تصاعد التوتر في غزة، والجمود السياسي الإقليمي، وغياب أفق حقيقي لحلّ الدولتين.
إن ما قام به بن غفير يتجاوز كونه تحدياً فردياً، أو “استفزازاً إعلامياً”، إلى كونه إعلاناً فعلياً عن مرحلة جديدة في مشروع تهويد القدس، وفرض السيادة الإسرائيلية الكاملة على المسجد الأقصى. والسكوت الدولي على ذلك لا يعني سوى منح الضوء الأخضر لتحول دائم في هوية المكان، وبداية النهاية لـ”الوضع القائم” الذي لطالما شكّل الحد الأدنى من التوازن في مدينة لا تحتمل التفجير.





