يعكس ما كشف عنه الجراح البريطاني الدكتور نيك ماينارد بعد عودته من قطاع غزة واقعًا إنسانيًا كارثيًا، يعكس مدى تفاقم الوضع الغذائي والطبي في ظل استمرار الحرب والحصار المفروض على القطاع. فشهادته، الموثّقة لا تعبّر فقط عن مشاهداته كطبيب، بل تنقل كذلك إحساسًا عميقًا بالعجز والصدمة أمام حجم الانتهاكات التي يتعرض لها المدنيون الفلسطينيون، لاسيما الأطفال والرضّع.
عمل ماينارد لمدة أربعة أسابيع في مستشفى ناصر، وهو من بين المراكز الطبية القليلة التي لا تزال تحاول العمل في ظروف شبه مستحيلة. ونقل صورة مروعة لنقص الغذاء وتأثيره المباشر على قدرة الطواقم الطبية على تقديم العلاج، خصوصاً للأطفال الخدّج. وفي واحدة من الشهادات المفجعة، ذكر أن أربعة أطفال حديثي الولادة توفوا خلال أسبوعين فقط من عمله في المستشفى، محذراً من أن المزيد من الوفيات أمر حتمي إذا لم يُسمح بدخول الغذاء والمكملات الضرورية.
إطلاق نار متعمد
ومن أكثر ما يلفت الانتباه في روايته هو تركيزه على أن حليب الأطفال كان العنصر الوحيد الذي صودر منه ومن زملائه عند المعابر الإسرائيلية، في إشارة واضحة إلى سياسات تضييق منظمة تستهدف الفئات الأكثر هشاشة من السكان. كذلك تحدث عن أن معظم الأطفال في المستشفى يعتمدون على الماء المحلى بالسكر كغذاء أساسي، في غياب بدائل آمنة وصحية.
لكن الجانب الأكثر مأساوية فيما أورده ماينارد يتجاوز الجوع وسوء التغذية، ليطال نمطاً من الانتهاكات التي وصفها بـ”لعبة الرماية”، إذ اتهم الجيش الإسرائيلي بإطلاق النار المتعمد على المدنيين عند نقاط توزيع المساعدات، مضيفاً أنه عالج أطفالاً أُصيبوا بطلقات نارية أثناء محاولتهم الحصول على الغذاء لعائلاتهم، وأن بعضهم لقي حتفه على طاولة العمليات. ووصف نمط الإصابات بأنه ممنهج، حيث لاحظ تكرار الاستهداف لمناطق معينة من الجسد في أيام محددة، وهو ما اعتبره دليلاً على تعمّد إيذاء المدنيين، بل وإذلالهم بطريقة مدروسة.
طلقات نارية مباشرة
وفي شهادة من المستحيل تجاهلها، ذكر ماينارد أنه استقبل أربعة مراهقين جميعهم أُصيبوا بطلقات نارية مباشرة في الأعضاء التناسلية، ما يعطي بعدًا جديدًا لحجم الانتهاك الأخلاقي والقانوني، بل ويجسد تعذيباً نفسياً مقصوداً يستهدف تدمير الطفولة وحرمانها من الأمل في الحياة.
وتكشف خلفية هذه الشهادات عن مسار موازٍ لتوزيع المساعدات بعيداً عن إشراف المنظمات الأممية، عبر ما تُعرف بـ«مؤسسة غزة الإنسانية»، وهي جهة مدعومة أميركياً وإسرائيلياً تدير أربع نقاط توزيع تقع جميعها في مناطق تخضع للجيش الإسرائيلي. ما يجعل من كل عملية توزيع مسرحاً محتملاً للموت أو الإصابة، وهو ما أفضى بالفعل – بحسب تقديرات الأمم المتحدة – إلى مقتل أكثر من ألف شخص أثناء محاولتهم الحصول على الغذاء.
وتأتي هذه الوقائع في ظل نداءات متزايدة من أكثر من 170 منظمة إنسانية تطالب بإغلاق المؤسسة فوراً، ووقف الآليات التي تجعل من المساعدات فخاً مميتاً بدلاً من أن تكون أداة للنجاة. وفي ظل منع الصحافيين من الوصول إلى تلك المناطق، تصبح شهادات من أمثال الدكتور ماينارد ذات أهمية بالغة، لأنها تخرق جدار الصمت والتعتيم الإعلامي المحيط بهذه المواقع.
لعبة سياسية وعسكرية
من زاوية أوسع، يعكس هذا المشهد الواقع المرير لتجربة غزة تحت الحصار والنار، حيث أصبحت المساعدات الإنسانية جزءاً من لعبة سياسية وعسكرية، تُدار وفق حسابات لا تعير وزناً لحياة الأبرياء. إن استهداف المدنيين عند نقاط الإغاثة، ومنع الحليب عن الرضّع، والتسبب في مجاعات بين الطواقم الطبية، ليس فقط انتهاكاً فادحاً للقانون الدولي الإنساني، بل يكشف عن استراتيجية تهدف إلى كسر المجتمع الفلسطيني في أضعف مفاصله: أطفاله، مرضاه، وأمله في البقاء.
وتضع هذه الشهادات المجتمع الدولي أمام مسؤولية أخلاقية وسياسية ملحّة، ليس فقط لتأمين الغذاء والدواء، بل لوقف الانتهاكات الممنهجة التي حوّلت غزة إلى ساحة تجريب مروّعة لأسوأ أشكال العقاب الجماعي.






