في قطاع غزة، لم تعد المخاطر تقتصر على القصف ونقص الغذاء والمياه وانهيار الخدمات الأساسية، بل باتت تتسلل من باطن الأرض أيضاً، حيث تحولت الحفر الامتصاصية التي أُنشئت كحلول اضطرارية للصرف الصحي إلى تهديد يومي يلاحق النازحين والسكان على حد سواء، ومع تدمير أجزاء واسعة من البنية التحتية واستمرار النزوح الجماعي، وجد آلاف الفلسطينيين أنفسهم مضطرين إلى اللجوء لوسائل بدائية للتعامل مع مياه الصرف، دون إشراف فني أو مقومات سلامة تقيهم مخاطر الانهيار والاختناق والتلوث.
ومع مرور الوقت، لم تعد هذه الحفر مجرد أزمة خدمية أو بيئية، بل أصبحت مصدرًا متكررًا للحوادث المأساوية التي تحصد الأرواح وتزيد من تعقيدات الواقع الإنساني المتدهور. وبين التحذيرات الصحية من تلوث المياه الجوفية وانتشار الأوبئة، والمخاوف الأمنية المرتبطة بانهيار التربة وسقوط الضحايا، تبرز الحفر الامتصاصية كأحد أبرز التداعيات غير المرئية للحرب، لتكشف حجم الكارثة التي يعيشها سكان القطاع في ظل غياب الحلول المستدامة واستمرار تدهور البنية التحتية الحيوية.
وضع إنساني مأساوي بالغ التعقيد
واقع مراكز الإيواء ومخيمات النزوح، ولا سيما في منطقة مواصي خان يونس، بات يعكس “وضعاً إنسانياً مأساوياً بالغ التعقيد”، في ظل غياب اضطرار مئات آلاف النازحين إلى ابتكار حلول بدائية لتصريف مياه الصرف الصحي. فضلا عن أن النازحين “يلجأون إلى حفر ما يُعرف بالحفر الامتصاصية أو آبار الصرف الصحي باستخدام أدوات بدائية للغاية، ودون أي مقومات للسلامة أو وسائل حماية شخصية”، بالإضافة إلى أن هذا الواقع فرضته الظروف القاسية الناتجة عن تدمير واسع للبنية التحتية وتعطل شبكات المياه والصرف الصحي. حسب المتحدث باسم الدفاع المدني في جنوب قطاع غزة، أحمد شهاب.
شهاب حذر من خطورة طبيعة التربة في تلك المناطق، قائلاً إنها “رملية متحللة وقريبة من الساحل، ولا تتحمل الكميات الكبيرة من السوائل”، ما يؤدي في كثير من الأحيان إلى انهيارات مفاجئة للحفر وسقوط من بداخلها أو حولها أثناء أعمال الحفر. ولفت إلى أن المخاطر لا تقتصر على الحوادث المباشرة، بل تمتد إلى أبعاد صحية وبيئية خطيرة، إذ تؤدي هذه الحفر إلى تسرب الفضلات وتلوث المياه الجوفية، بما يخلق بيئة خصبة لانتشار الأوبئة والأمراض، إضافة إلى انبعاث غازات سامة مثل غاز الميثان، فضلاً عن تكاثر الحشرات في المياه الراكدة .
وكشف أن طواقم الدفاع المدني تواجه تحديات جسيمة في التعامل مع حوادث الانهيارات داخل هذه الحفر، في ظل نقص حاد في المعدات والآليات نتيجة استمرار إغلاق المعابر ومنع دخول الإمدادات اللوجستية الضرورية. وأضاف أن الطواقم “لم تتعافَ بعد من آثار الحرب، وتعمل تحت ضغط كبير بسبب تلاحق الحوادث والانتهاكات المستمرة لوقف إطلاق النار”، مؤكداً أن ذلك يضاعف من صعوبة عمليات الإنقاذ ويجعلها شديدة الخطورة، كما حدث في عدد من الحوادث الأخيرة.
مأساة متكررة نتيجة تدمير البنية التحتية
وأشار إلى إن الدفاع المدني يتعامل مع بلاغات متعددة تتعلق بانهيارات ترابية واختناقات داخل حفر ضيقة، مشيراً إلى أن غياب التهوية، وعدم تدعيم جوانب الحفر بشكل هندسي سليم، وازدياد عمقها، كانت من أبرز أسباب وقوع إصابات ووفيات، إلى جانب تراكم الغازات السامة التي تؤدي إلى فقدان الوعي السريع .
وأكد أن بعض الضحايا سقطوا أثناء محاولات إنقاذ عفوية لأشخاص آخرين، ما ضاعف عدد الإصابات والخسائر البشرية، في ظل غياب معدات الوقاية وأجهزة قياس الغازات، وصعوبة وصول فرق الإنقاذ في الوقت المناسب. وأكد المتحدث باسم الدفاع المدني أن الكارثة لم تعد فردية أو طارئة، بل أصبحت” مأساة متكررة ومشهدًا إنسانيًا مركبًا”، نتيجة تدمير البنية التحتية والاكتظاظ الشديد وتلاصق الخيام في مناطق النزوح، محذراً من أن آثارها البيئية والصحية قد تمتد لشهور وربما لسنوات.
لجوء المواطنين إلى الحفر الامتصاصية خيارًا اضطراريًا فرضته الظروف الكارثية للحرب فضلا عن أن قطاع المياه والصرف الصحي تعرض لاستهداف المباشر لمرافقه الحيوية، بالإضافة إلى تدمير مضخات المعالجة في ثماني محطات رئيسية للصرف الصحي، ما أدى إلى تعطّل واسع في المنظومة البيئية والصحية. حسب المتحدث باسم بلدية غزة، حسني مهنا.
روايات ميدانية تكسف حجم المأساة
“موت مفاجىء في حي الشيخ رضوان شمال غربي مدينة غزة”، تروي عائلة عاشور واحدة من الحوادث الصدمة وتقول العائلة إن ابنها الشاب حمزة 24 عاماً كان يحفر بئراً للمياه إلى جانب والده، قبل أن تنهار التربة عليه بشكل مفاجئ، لتتحول عملية الحفر إلى مأساة انتهت بانتشاله جثة هامدة.
ويستعيد والده أيمن تفاصيل ما جرى في السادس عشر من فبراير الماضي قائلاً: “كنا نحفر ووصلنا إلى عمق يقارب ثلاثة أمتار، وكانت التربة تبدو متماسكة، فجأة انهارت بالكامل فوقه. حاولنا إخراجه بأيدينا لكننا لم ننجح، فاستعنا بجرافة، وعندما وصلنا إليه كان قد فارق الحياة”. حسب وكالة شهاب.
في حادثة مأساوية أخرى، أعلن جهاز الدفاع المدني في خانيونس جنوبي قطاع غزة، عن انتشال جثمان الشاب جمال رضوان 35 عاماً قبل شهر، بعد ساعات من العمل الشاق، عقب سقوطه في حفرة امتصاصية داخل مدرسة في مخيم خانيونس جنوبي القطاع.
خطورة الحفر الامتصاصية
وتقول عائلته إن الحادث وقع بشكل مفاجئ أثناء وجوده في محيط الحفرة داخل المدرسة، حيث اختفى عن الأنظار قبل أن يتبين سقوطه في داخلها، في ظل غياب أي وسائل حماية أو تأمين للمكان. وتضيف العائلة أن محاولات إنقاذه استمرت لساعات، بمشاركة طواقم الدفاع المدني، قبل أن يتم انتشال جثمانه لاحقاً.
على المستوى الرسمي، حذرت وزارة الصحة الفلسطينية في قطاع غزة من أن اللجوء المتزايد إلى الحفر الامتصاصية كبديل اضطراري لأنظمة الصرف الصحي التقليدية، في ظل تعطل البنية التحتية وتوقف معظم الخدمات الأساسية، يفاقم من حدة التدهور البيئي والصحي في القطاع.
وأشارت إلى أن هذه الحفر، التي تنتشر بشكل واسع داخل مناطق النزوح والتجمعات السكنية المكتظة، تسهم في تسرب المياه العادمة إلى التربة، ما يؤدي إلى تلوث متزايد في الخزان الجوفي وارتفاع مستويات التلوث البيئي. وبيّنت الوزارة أن هذا الواقع يتزامن مع تعطل غالبية محطات تحلية المياه وتوقف نسبة كبيرة من محطات الصرف الصحي عن العمل بشكل كامل، الأمر الذي يدفع السكان إلى حلول بدائية وغير آمنة للتعامل مع مياه الصرف، دون أي رقابة أو معايير فنية تضمن الحد من المخاطر.




