كشفت صحيفة بوليتيكو، مساء الجمعة، عن تصاعد الخلافات داخل الحكومة البريطانية الجديدة بقيادة رئيس الوزراء كير ستارمر بشأن الاعتراف الرسمي بدولة فلسطين، وسط مؤشرات على تباين واضح بين مقر رئاسة الوزراء ووزارة الخارجية في هذا الملف الحساس.
ونقلت الصحيفة عن مصدرين بارزين في الدوائر الدبلوماسية البريطانية أن مسؤولين في وزارة الخارجية، بينهم الوزير ديفيد لامي وعدد من المسؤولين في مستويات أدنى، توصّلوا إلى قناعة داخلية بضرورة اتخاذ خطوة نحو الاعتراف، معتبرين أن اللحظة السياسية باتت مواتية للتحرك. وفي هذا السياق، تحدثت الصحيفة عن وجود نقاش نشط داخل أروقة الحكم، حيث ضغط عدد من أعضاء الحكومة على ستارمر لحثّه على اتخاذ موقف واضح، لا سيما في ظل توقيع أكثر من 200 نائب من مختلف الأحزاب على رسالة تطالب بالاعتراف الرسمي بالدولة الفلسطينية.
إلا أن ستارمر، بحسب تقرير بوليتيكو، لا يزال يتبنى موقفاً متحفظاً، مدفوعاً بمخاوف تتعلق بإعادة إحياء الجدل القديم حول اتهامات معاداة السامية داخل حزب العمال، فضلاً عن حذره من الانخراط في ما يُعرف بـ”سياسات الإيماءات”، في إشارة إلى الإجراءات الرمزية التي تُتخذ لأسباب سياسية دون أن يكون لها أثر ملموس على الأرض.
ويأتي هذا التردد البريطاني في أعقاب إعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عزمه الاعتراف بدولة فلسطين بحلول سبتمبر/ أيلول المقبل، وهو الموقف الذي أثار حفيظة الحكومة الإسرائيلية. ويبدو أن ستارمر، وفق الصحيفة، يفضل التريث حتى انتهاء زيارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب المرتقبة إلى اسكتلندا ولقائه الرسمي مع الحكومة البريطانية، خشية من أن يؤدي اتخاذ موقف حاسم بشأن فلسطين إلى إفساد العلاقة الناشئة مع واشنطن.
في هذا السياق، نقلت بوليتيكو عن مستشار الأمن القومي البريطاني السابق، بيتر ريكيتس، قوله إن الحفاظ على علاقة مستقرة مع إدارة ترامب سيكون من أولويات حكومة ستارمر، مرجحاً أن يتم تأجيل أي إعلان محتمل إلى ما بعد اللقاء المرتقب. فيما اعتبرت النائبة العمالية ورئيسة لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان، إميلي ثورنبيري، أن رئيس الوزراء يحرص على عدم “إزعاج” الإدارة الأميركية في هذه المرحلة الحساسة من بناء الثقة معها، قائلة: “إذا كان لدينا أي رصيد لدى البيت الأبيض، فعلينا إنفاقه بحكمة”.
ستارمر: نحو خطوات عملية لإنهاء كارثة غزة
وفي تصريحات موازية نقلتها صحيفة ميرور، تحدث كير ستارمر عن التزام حكومته بالسعي نحو مسار حقيقي لتحقيق السلام في الشرق الأوسط، مؤكداً أن الاعتراف بدولة فلسطين ينبغي أن يكون ضمن سلسلة خطوات ملموسة تهدف إلى تحويل وقف إطلاق النار الهش في غزة إلى سلام دائم.
وقال ستارمر: “أنا حاسم في أن الاعتراف لا يجب أن يكون خطوة رمزية فحسب، بل جزءاً من خطة أوسع لتحقيق حل الدولتين وضمان أمن دائم للفلسطينيين والإسرائيليين على حدّ سواء”. وأضاف أن هذا الاعتراف ينبغي أن يُستخدم كأداة ضغط لإحداث فرق حقيقي في حياة السكان المدنيين الذين يواجهون كارثة إنسانية في قطاع غزة.
وفي وصفه للأوضاع الراهنة، اعتبر رئيس الوزراء البريطاني أن المجاعة واليأس المنتشرين في غزة “مرعبان للغاية”، مشدداً على أن المملكة المتحدة ستستخدم كل إمكانياتها لتوفير الغذاء والدعم الإنساني للفلسطينيين. وأوضح أن بلاده خصصت مساعدات إضافية هذا العام بقيمة 40 مليون جنيه إسترليني، إلا أن إيصال هذه المساعدات يواجه عراقيل كبيرة.
كما تعهد ستارمر بتكثيف الجهود البريطانية لإجلاء الأطفال الفلسطينيين الذين يعانون من حالات طبية حرجة ونقلهم إلى المملكة المتحدة لتلقي العلاج، مضيفاً أن الحكومة تعمل على تسريع إجراءات النقل بالتعاون مع شركاء إقليميين.
وتعليقاً على السماح الإسرائيلي المتأخر بإسقاط المساعدات جواً إلى غزة، قال ستارمر إن هذه المبادرة، رغم تأخرها، ستُستغل إلى أقصى حد لضمان وصول الإغاثة إلى من هم في أمسّ الحاجة إليها.
اتصالات دبلوماسية مكثفة مع باريس وبرلين
وفي تطور متصل، أعلن مكتب رئيس الوزراء البريطاني، السبت، عن سلسلة اتصالات هاتفية أجراها ستارمر مع كل من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني فريدريش ميرز، ناقش خلالها الجانبان الأوضاع الإنسانية المتدهورة في قطاع غزة، وسبل تحويل الهدنة المرتقبة إلى سلام دائم.
وذكر بيان صادر عن داونينغ ستريت أن القادة الثلاثة اتفقوا على ضرورة وضع خطة متكاملة تشارك فيها أطراف دولية وإقليمية لدفع عملية السلام قدماً، وأكدوا استعدادهم لتوسيع التنسيق مع دول المنطقة في سبيل تفعيل هذه المبادرة.
ويأتي هذا التحرك البريطاني – الأوروبي في لحظة فارقة من التصعيد المتواصل في غزة، مع تزايد الدعوات الدولية لتحرّك منسّق يعيد القضية الفلسطينية إلى مسارها الدبلوماسي، ويمنح المدنيين الفلسطينيين فرصة للتعافي من آثار الحرب المستمرة.






