وسعت أوكرانيا خلال الأيام الماضية نطاق هجماتها بالطائرات المسيّرة والصواريخ لتشمل مستودعات شركة Wildberries، أكبر منصة للتجارة الإلكترونية في روسيا، في تحول لافت في طبيعة الأهداف التي تستهدفها كييف منذ اندلاع الحرب.
وتقول السلطات الأوكرانية إن المستودعات كانت تُستخدم لتخزين مواد ومكونات مرتبطة بالصناعة العسكرية، من بينها أجزاء تدخل في تصنيع الطائرات المسيّرة، بينما أسفرت الضربات عن أضرار كبيرة في البنية اللوجستية للشركة، إضافة إلى سقوط قتلى وخسائر مادية ضخمة.
ووفق تقديرات أولية نشرتها وسائل إعلام روسية، بلغت الخسائر الاقتصادية خلال اليوم الأول للهجمات وحده ما بين 150 و235 مليار روبل، وهو ما يعادل نحو 1.9 إلى 3 مليارات دولار.
ضربة لقطاع حيوي في الاقتصاد الروسي
تمثل شركة Wildberries إحدى أكبر شركات التجارة الإلكترونية في روسيا، وتعتمد عليها مئات الآلاف من الشركات الصغيرة والمتوسطة في تسويق منتجاتها، كما تستحوذ على نسبة كبيرة من سوق التجارة الإلكترونية في البلاد.
ولذلك، لم تقتصر آثار الضربات على الشركة نفسها، بل امتدت إلى آلاف التجار الذين فقدوا مخزوناتهم، خاصة مع تقارير تفيد بأن بعض المستودعات لم تكن مؤمنة ضد الأضرار الناتجة عن الهجمات العسكرية.
ويرى محللون أن استهداف هذا النوع من البنية التحتية يمثل محاولة أوكرانية لنقل كلفة الحرب إلى الداخل الروسي، ليس فقط عبر إضعاف القدرات العسكرية، وإنما أيضاً من خلال زيادة الضغوط على الاقتصاد والقطاع الخاص.
استراتيجية جديدة للضغط على موسكو
منذ بداية الحرب، ركزت أوكرانيا في معظم هجماتها بعيدة المدى على منشآت الطاقة، ومصافي النفط، والمطارات العسكرية، ومستودعات الذخيرة.
أما استهداف منشآت تجارية ولوجستية بهذا الحجم، فيعكس تحولاً نحو استراتيجية تقوم على رفع الكلفة الاقتصادية للحرب، ودفع الشركات ورجال الأعمال الروس إلى الشعور بتداعياتها بصورة مباشرة.
وتراهن كييف على أن تزايد الخسائر الاقتصادية قد يؤدي مع مرور الوقت إلى تصاعد الضغوط الداخلية على القيادة الروسية، بما يدفعها إلى إبداء مرونة أكبر في المفاوضات أو الحد من العمليات العسكرية.
قطاع الأعمال بين الولاء والضغوط
لكن هذا الرهان يواجه تحديات كبيرة.
فمنذ اندلاع الحرب، تكيفت الشركات الروسية مع بيئة اقتصادية صعبة شملت العقوبات الغربية، واضطراب سلاسل التوريد، وارتفاع الضرائب، ونقص بعض المواد الأساسية، فضلاً عن الضغوط التضخمية.
وفي الوقت نفسه، أصبحت الشركات أكثر ارتباطاً بالدولة، مع تزايد اعتمادها على الكرملين، بينما تقلصت قدرتها على التأثير في القرارات السياسية.
ويرى مراقبون أن رجال الأعمال في روسيا يدركون أن هامش المناورة بات محدوداً، في ظل تشديد الدولة قبضتها على الاقتصاد، وتزايد التدخل الحكومي في إدارة الشركات والأصول الإستراتيجية.
حماية البنية التحتية… عبء متزايد
أثارت الهجمات أيضاً تساؤلات بشأن قدرة الشركات الروسية على حماية منشآتها الحيوية.
فمع تكرار الهجمات بالطائرات المسيّرة، بدأت بعض الشركات، خصوصاً في قطاع الطاقة، بتمويل وسائل حماية خاصة، شملت إقامة حواجز معدنية وأنظمة دفاع إضافية حول منشآتها، ما أدى إلى ارتفاع تكاليف التشغيل بصورة ملحوظة.
وفي المقابل، لم تعلن الحكومة الروسية عن برامج واسعة لتعويض جميع المتضررين، ما دفع بعض الشركات الكبرى إلى تحمل جانب كبير من الخسائر بنفسها.
هل يغير الضغط الاقتصادي موقف بوتين؟
يرى بعض المحللين أن زيادة الأعباء الاقتصادية قد تؤثر تدريجياً في المزاج العام داخل أوساط رجال الأعمال الروس، لكنها قد لا تكون كافية لدفع الكرملين إلى تغيير استراتيجيته في المدى القريب.
ويستند هذا التقييم إلى أن النظام السياسي في روسيا يمنح القيادة المركزية هامشاً واسعاً في إدارة الحرب، بينما تظل قدرة القطاع الخاص على ممارسة ضغط سياسي مباشر محدودة.
وفي المقابل، يعتقد آخرون أن استمرار استهداف البنية الاقتصادية، إلى جانب العقوبات الغربية، قد يؤدي مع مرور الوقت إلى تراكم الضغوط المالية والإدارية، بما يفرض تحديات إضافية على الاقتصاد الروسي.
معادلة معقدة
حتى الآن، لا توجد مؤشرات واضحة على أن الهجمات الأخيرة ستدفع موسكو إلى تغيير موقفها التفاوضي بصورة مباشرة. إلا أنها تكشف عن مرحلة جديدة من الحرب، لم تعد فيها الجبهة الاقتصادية أقل أهمية من الجبهة العسكرية.
وبينما تسعى أوكرانيا إلى زيادة كلفة الحرب داخل روسيا، يواصل الكرملين محاولة احتواء آثار هذه الضغوط والحفاظ على تماسك الاقتصاد، في معادلة ستظل نتائجها مرتبطة بمدى استمرار الحرب، وحجم الخسائر التي سيتحملها كل طرف خلال المرحلة المقبلة.






