لم تعد معايير الزواج في قطاع غزة كما كانت قبل الحرب، فبعد أن كانت الأسئلة تدور حول العمل والتعليم والقدرة على تحمل المسؤولية، فرضت المأساة الإنسانية واقعاً جديداً جعل السكن يتصدر قائمة الأولويات، حتى بات السؤال الأكثر حضوراً في كل مشروع زواج: “هل للعريس شقة أم خيمة؟”.
ويعكس هذا التحول حجم التغيرات الاجتماعية التي أحدثتها الحرب وما خلفته من دمار واسع طال المنازل والبنية السكنية، ودفع مئات الآلاف من العائلات إلى العيش في الخيام ومراكز النزوح.
تداعيات الحرب وتراجع فرص إعادة الإعمار
وفي ظل أزمة سكن غير مسبوقة وارتفاع كبير في أسعار الإيجارات، يجد آلاف الشباب أنفسهم أمام معادلة صعبة تجمع بين الرغبة في تكوين أسرة والاستحالة العملية لتوفير مسكن مستقل. وبين من يرى أن الزواج داخل الخيام خيار اضطراري تفرضه الظروف، ومن يعتبر أن غياب الخصوصية والاستقرار يهدد مستقبل الحياة الزوجية، تتباين المواقف وتتزايد التحديات.
ومع استمرار تداعيات الحرب وتراجع فرص إعادة الإعمار، تحولت أزمة السكن من مشكلة معيشية إلى قضية اجتماعية تؤثر بشكل مباشر على مستقبل الشباب وأحلامهم في الاستقرار وتأسيس أسر جديدة، لتصبح الخيمة والشقة عنواناً لواقع قاسٍ يختبر قدرة المجتمع الغزي على التكيف والصمود في مواجهة واحدة من أصعب المراحل في تاريخه الحديث.
سمية العف 55 عاماً، وهي أم تبحث عن عروس لابنها شادي (24 عاماً)، تقول إنها تصطدم بالسؤال ذاته في كل مرة تتقدم فيها لطلب الزواج لابنها، “أعيش مع عائلتي في مخيم وسط قطاع غزة، وابني سيتزوج في خيمة مجاورة لخيمتنا، لكن معظم العائلات ترفض بمجرد معرفة ذلك”. حسب وكالة وفا.
خلافات وضغوط تهدد استقرار الأسرة داخل الخيام
الأم أشارت إلى أن الدمار الواسع وارتفاع إيجارات الشقق إلى مستويات تفوق قدرة الشباب جعل الحصول على مسكن مستقل أمراً شبه مستحيل، مؤكدة أن استمرار ربط الزواج بوجود شقة خاصة يزيد من معاناة الشباب ويغلق أمامهم أبواب الاستقرار.
بينما ترى المواطنة سليمة الحز 67 عاماً أن الزواج داخل الخيام تجربة صعبة لا توفر الحد الأدنى من الخصوصية والأمان، وقالت إن ابنتها خاضت تجربة زواج داخل خيمة انتهت بالانفصال بعد فترة قصيرة، نتيجة الظروف المعيشية المعقدة وغياب الخصوصية، خاصة بعد اضطرار عائلة الزوج إلى الإقامة في المكان نفسه عقب نزوحها.
وأضافت أن من حق الفتاة أن تعيش في بيئة مستقرة وآمنة، محذرة من أن الزواج في الخيام قد يفتح الباب أمام خلافات وضغوط تنعكس سلباً على استقرار الأسرة. وبين هذين الموقفين يقف عشرات الشبان بين الإحباط والأمل.
ويقول محمد الفصيح 23 عاماً، وهو شاب مقبل على الزواج، إنه تلقى أربعة رفضات متتالية بسبب عدم امتلاكه شقة سكنية “الجميع يعلم حجم الدمار الذي أصاب غزة، ومع ذلك ما زال هذا الشرط يفرض على الشباب. أعمل في بيع الفواكه بالكاد أوفر احتياجاتي اليومية، فكيف يمكنني توفير شقة في هذه الظروف؟”.
أزمة الزواج داخل الخيام
وأشار إلى أن ربط الزواج بامتلاك مسكن مستقل في ظل الواقع الحالي يدفع كثيراً من الشباب إلى الشعور بالعجز وفقدان الأمل في بناء أسرهم، وعلى الجانب الآخر، تتمسك الشابة ربا الشامي (19 عاماً) بخيار الزواج رغم ظروف النزوح.
وقالت: “أغلب سكان غزة فقدوا بيوتهم، لذلك قررت التعايش مع الواقع. سأرتدي فستان الزفاف وأدخل خيمتي وأنا متمسكة بالأمل”. وأضافت أن الحرب حرمتها أربعة من أفراد عائلتها، لكنها ترفض أن تحرمها أيضاً من حقها في الفرح وتكوين أسرة.
الخيمة أصبحت واقعاً مفروضاً على شريحة واسعة من الشباب، نتيجة فقدان المساكن وانعدام البدائل، فضلا عن أن الزواج في الخيام لا يمكن إدانته أخلاقياً لأنه ينبع من حاجة إنسانية طبيعية، لكنه يحتاج إلى توفير الحد الأدنى من الخصوصية والحماية لضمان استقرار العلاقة الزوجية، حسب الأخصائي النفسي والاجتماعي أحمد حمد.
“حمد” أشار إلى أن أبرز التحديات تتمثل في انعدام الخصوصية، والضغوط النفسية المرتبطة بالخوف وانعدام الأمان، وصعوبة إدارة الحياة الزوجية في مساحة ضيقة ومكشوفة، إضافة إلى تدخل المحيطين في تفاصيل الحياة اليومية.




