لم تكن خسارة الأرجنتين في نهائي كأس العالم مجرد سقوط في مباراة حاسمة، بل مثلت لحظة فاصلة كشفت حدود الاعتماد على الخبرة والنجومية الفردية أمام منظومة جماعية أكثر تماسكًا وانضباطًا.
في مواجهة فرضت فيها إسبانيا إيقاعها التكتيكي منذ البداية، بدا المنتخب الأرجنتيني عاجزًا عن استعادة الشخصية التي ميزته طوال البطولة، وجد ليونيل ميسي نفسه للمرة الأولى بعيدًا عن التأثير الذي اعتاد أن يصنع الفارق في أصعب اللحظات.
وبين نهاية الحلم الأرجنتيني وبداية مرحلة جديدة في كرة القدم العالمية، أعادت المباراة طرح تساؤلات حول نهاية حقبة ميسي، وقدرة الأرجنتين على تجديد مشروعها الكروي بعد سنوات من الهيمنة والإنجازات.
الأرجنتين تفقد بريقها في أهم اختبار
وبات من الواضح أكثر فأكثر أن الأرجنتين قد فقدت سحرها الذي رافقها طوال هذه البطولة. ومع استعادة إسبانيا السيطرة تدريجياً، بات من الصعب تجاهل الواقع: ميسي والأرجنتين قد نفد وقتهم أخيراً، بعد أن استسلموا منذ فترة طويلة لأسوأ غرائزهم في هزيمة 1-0 .
شكّلت المباراة النهائية تناقضًا صارخًا مع الأرجنتين – وميسي – التي شاهدناها في جميع مباريات البطولة الأخرى. فقد كان منتخب “لا ألبيسيليستي” – باستثناءات قليلة – الفريق الأكثر إمتاعًا في البطولة، ليس فقط بسبب طريقة تسجيل أهدافه، بل بسبب توقيت تسجيلها، مقدمًا عرضًا رائعًا في التوقيت الدرامي. وكاد المنتخب الأرجنتيني أن يُقصى مرتين على يد خصوم أقل منه مستوى بكثير، وهي نتائج لم تزده إلا إصرارًا.
إسبانيا تفرض هيمنتها وتحسم النهائي تكتيكيًا
غالبًا ما تكون المباريات النهائية مباريات باهتة لا تُثير الحماس، ولكن حتى بمعاييرها المتدنية، كان إيقاع المباراة كارثيًا. سيطر المنتخب الإسباني على مجريات اللعب دفاعيًا، وبعد شوط أول باهت، تمكن أخيرًا من استعادة توازنه في الشوط الثاني، ونجح في النهاية في تسجيل هدف الفوز في الوقت الإضافي، كما كان متوقعًا.
أما الأرجنتين؟ فقد أصبحت أول فريق في تاريخ البطولة الممتد لما يقارب قرنًا من الزمان يفشل في تسديد أي كرة على المرمى خلال الوقت الأصلي لنهائي كأس العالم . حتى عندما مُنح نصف ساعة إضافية، لم يُشكلوا أي خطورة تُذكر.
ميسي خارج دائرة التأثير لأول مرة في البطولة
أما ميسي؟ حتى هذه المباراة النهائية، فقد كان يُقدّم للمشاهدين إحدى أندر الفرص في عالم الرياضة الاحترافية: فرصة لمشاهدة عظمةٍ بلا ضغوط، خالية تمامًا من أي ضغط حقيقي لتحقيق أداءٍ مميز. في التاسعة والثلاثين من عمره، قدّم ميسي أفضل ما لديه، ولا يمكن لأحد أن ينتقد إنجازاته – سواءً كلاعبٍ فردي أو كجزءٍ من نادٍ أو منتخب.
هذه الهزيمة لا تُشوّه إرثه الخالي من العيوب؛ بل إن الفوز كان سيُعزّز مكانته كأعظم لاعبٍ في تاريخ اللعبة. بالنسبة لبعض الأرجنتينيين، فإن الفوز على إنجلترا في نصف النهائي يُعادل تقريبًا الفوز في المباراة النهائية. حسب صحيفة الغارديان البريطانية.
مع ذلك، لا بد من القول: نادرًا ما كان لميسي دورٌ فعّال في هذه المباراة، وهو ما يختلف تمامًا عن اللاعب الذي حمل فريقه على كتفيه في بعض الأحيان هذا الصيف. يعود الفضل في ذلك، بالطبع، إلى براعة إسبانيا الدفاعية. لكن هذا وحده لا يكفي دائمًا لإيقاف قائد الأرجنتين قصير القامة.
سكالوني بين إرث الإنجازات ومرارة النهاية
مع ذلك، يجب أن نُعطي إسبانيا حقها: فقد تفوقت على الأرجنتين تفوقًا ساحقًا في كل شيء، حتى أنها شلت حركة ميسي. في النهاية، أصبحت الأرجنتين كما توقعها الكثير من المراقبين في البداية، وأحيانًا بشكل غير عادل: خبيثة، وقذرة، ويائسة.
لطالما كان الزمن غير ذي أهمية بالنسبة لميسي على أرض الملعب، لأنه غالبًا ما يطويه لصالحه ليتخلص من المدافعين. ويُحدث أداؤه في سن التاسعة والثلاثين أثرًا مماثلًا، إذ يُعيدنا إلى أيام مجده في برشلونة وغيرها من الملاعب، مُحدثًا فجوة في الزمن نفسه. لم يتجاوزه الزمن بقدر ما سار هو جنبًا إلى جنب معه، متأخرًا عنه أحيانًا بخطوة أو اثنتين، لكنه دائمًا ما يلحق به في النهاية.
لكننا الآن أمام حقيقة لا لبس فيها، وهي أن مسيرة ميسي قد انتهت، على الأقل فيما يخص كأس العالم. والجدير بالذكر أن هذا ما قيل بعد أن قاد الأرجنتين إلى أول مشاركة لها في كأس العالم منذ ما يقرب من أربعة عقود في عام 2022، وما كان متوقعًا في عام 2016، عندما اعتزل ميسي لفترة وجيزة اللعب مع المنتخب الوطني بعد هزيمة الأرجنتين في نهائي كوبا أمريكا.
حينها، دار الحديث حول هذا اللاعب بأنه لن يلعب للأرجنتين بنفس الطريقة التي لعب بها لبرشلونة، بل وحتى همسات بأن ميسي نفسه لم يكن أرجنتينيًا بما فيه الكفاية، نظرًا لقضائه جزءًا كبيرًا من حياته في إسبانيا. كلا الرأيين يبدوان مثيرين للسخرية بعد مرور عشر سنوات.
نهائي أطاح بالحلم وأعاد رسم المشهد الكروي
يبقى أن نرى كيف سيُستقبل أداء الأرجنتين في الوطن، حيث كانت التوقعات عاليةً بشكلٍ مفهوم. وقد تحدث المدرب ليونيل سكالوني، وحتى ميسي، مطولاً قبل المباراة النهائية عن حجم الإنجازات التي حققوها بالفعل. وألمحوا إلى أن هذه النتيجة النهائية لن تُقلل من شعورهم بالإنجاز.
كان هذا، بالطبع، قبل أن ينزلوا إلى أرض الملعب ويدمروا المباراة بشكل شبه كامل. كان إرث سكالوني، مثل إرث ميسي، راسخًا قبل هذه المباراة النهائية، فقد قاد المدرب الأرجنتين للفوز بكأس العالم للمرة الثالثة ولقبين في كوبا أمريكا، لكن هذه كانت فرصة ضائعة لترسيخه. يمكن لأمرين أن يتعايشا: سكالوني هو بلا شك أعظم مدرب في تاريخ الأرجنتين، وكانت هذه واحدة من أسوأ نتائجه وأدائه.
لكن ما يبدو أكثر واقعية هو الشعور بالخسارة وخيبة الأمل بعد هذا الأداء النهائي البائس، الذي منح الأرجنتين – وميسي – فرصة مثالية لإضفاء اللمسات الأخيرة على حكايتهم الخيالية. بدلاً من ذلك، تحولوا من أبطال إلى أشرار – وبلا داعٍ.






