تُظهر المعلومات الواردة عن ممارسات الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية، تصاعدًا غير مسبوق في السياسات الاستيطانية التي تجمع بين البُعد الإداري والقانوني من جهة، والعسكري والأمني من جهة أخرى، ضمن استراتيجية متكاملة تهدف إلى إحكام السيطرة على الأرض الفلسطينية وتصفية أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية مستقلة.
شرعنة التزوير
وقد بات واضحًا أن حكومة الاحتلال، عبر رموزها المتطرفة وفي مقدمتهم وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، تسعى إلى إعادة هندسة الواقع في الضفة الغربية سياسيًا وديمغرافيًا وقانونيًا، عبر توسيع صلاحيات “الإدارة المدنية” الإسرائيلية، وشرعنة التزوير المنهجي في صفقات الأراضي.
يُوظف سموتريتش نفوذه في الإدارة المدنية – التي تمثل ذراع الاحتلال لإدارة شؤون الفلسطينيين في المناطق المصنفة (ج) – لتصفية الأصوات المهنية التي تقف في وجه تجاوزاته القانونية، كما هو الحال مع المسؤول السابق تومر كرمي.
رفض الأخير المصادقة على صفقة أراض مشبوهة لصالح شركة “همنوتا”، التابعة للصندوق القومي اليهودي، بسبب تناقض الوثائق وشبهات التزوير، فتمت إزاحته وتغيير الجهة القانونية المسؤولة عن الاستشارة إلى مكتب أكثر ولاءً للتوجهات الاستيطانية، ما يشير إلى هيمنة أيديولوجية على المؤسسات التي يُفترض أن تعمل وفق القانون.
تصفية الأرض والهوية
هذه الحادثة تمثل نموذجًا واضحًا لنهج السيطرة الكاملة على مؤسسات الدولة من قبل أذرع اليمين الاستيطاني، وتحويل “الإدارة المدنية” من جهة احتلال عسكرية إلى أداة لتصفية الأرض والهوية الفلسطينية. كما تكشف الدور المشبوه للمؤسسات الإسرائيلية التي تتخذ طابعًا مدنيًا، مثل “الكيرن كايمت”، في عمليات نهب الأراضي وتهويدها بوسائل قانونية شكلية لا تصمد أمام أي مراجعة حقيقية.
في السياق الجغرافي والسياسي الأوسع، تتزامن هذه السياسات مع موجة جديدة من عمليات الضم الزاحف، خصوصًا في محيط القدس، حيث تعمل حكومة الاحتلال على فصل قرى بيت إكسا والنبي صموئيل وحي الخلايلة عن محيطها الفلسطيني عبر إجراءات بيروقراطية وعسكرية تعيد إنتاج واقع الجيتو العنصري، وتضع السكان تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة، رغم تصنيف مناطقهم ضمن أراضي 1967.
فصل شمال الضفة
التصعيد لا يقتصر على الاستيلاء الإداري والقانوني، بل يتوازى مع تسارع في تنفيذ المشاريع الاستيطانية الكبرى، وعلى رأسها مشروع “E1” الذي يهدد بفصل شمال الضفة عن جنوبها، ويقوّض التواصل الجغرافي بين مناطق الدولة الفلسطينية المستقبلية. الاتفاقيات الأخيرة، مثل اتفاقية “السقف” مع بلدية مستوطنة “معاليه أدوميم”، تؤكد النية المعلنة للحكومة الإسرائيلية بمضاعفة عدد المستوطنين وتعزيز السيطرة عبر مشاريع بنى تحتية ضخمة ممولة بمليارات الشواكل.
في الشمال، يُستخدم الاستيطان كأداة مباشرة للرد على المواقف الدولية، حيث يتم توسيع مستوطنات مثل “كرني شومرون” بالتزامن مع الاعترافات المتزايدة بدولة فلسطين من دول أوروبية وغربية. ويُروج لذلك تحت شعار “السيادة تُحسم على الأرض”، في رسالة واضحة مفادها أن إسرائيل لا تعبأ بالمجتمع الدولي، وتُصر على فرض وقائع جديدة بقوة الاحتلال.
لا تقل خطورة البرامج التعليمية والعسكرية التي تستقطب الشباب اليهود من دول الغرب، كالبرنامج المعروف بـ”مخينا”، والذي يجري تنفيذه داخل المستوطنات، ويقوم على دمج المتدربين في منظومة الاحتلال ومفاهيم التفوق العرقي والصهيونية المسلحة. هذا البرنامج لا يخضع لأي مساءلة قانونية من قبل الدول التي يحمل رعاياه جنسياتها، رغم انخراطهم في أعمال قد تُصنف كجرائم حرب، في تناقض صارخ مع القوانين الدولية الخاصة بخطاب الكراهية والانخراط في نزاعات مسلحة غير شرعية.
استيطان متسارع
وتقابل هذه الحملة الاستيطانية المحمومة، مقاومة شعبية وحملات مقاطعة فاعلة، كان أبرزها انسحاب سلسلة “كارفور” من أسواق البحرين والكويت بعد تراجع أرباحها نتيجة حملة BDS التي كشفت تورطها في دعم الجيش الإسرائيلي وممارساته في غزة والضفة. هذا النجاح يُثبت قدرة الفعل الشعبي العالمي على التأثير، ولو بشكل غير مباشر، في الحد من تغوّل الاحتلال.
ميدانيًا، لم تتوقف الاعتداءات الأسبوعية بحق المواطنين الفلسطينيين، سواء عبر أوامر الهدم أو هجمات المستوطنين أو مصادرة الأراضي، وهي اعتداءات ممنهجة تغطي كامل الجغرافيا الفلسطينية من القدس إلى الخليل، ومن نابلس إلى الأغوار. في هذا السياق، تعمل المستوطنات كمراكز عنف مسلح، وتتخذ دورًا هجوميًا ضد الفلسطينيين، في ظل حماية الجيش ودعم الحكومة.
ما يتكشف من مجمل هذه الوقائع، هو أن إسرائيل تُدير مشروعًا متكاملًا يهدف إلى تقويض الوجود الفلسطيني من خلال أدوات قانونية مغشوشة، واستيطان متسارع، وعنف منظم، في إطار رؤية أيديولوجية تؤمن بـ”أرض إسرائيل الكبرى” وتنكر الحق الفلسطيني في الأرض والسيادة. والمفارقة أن كل ذلك يتم في ظل صمت دولي، أو على الأقل عجز عن كبح جماح هذا التوسع، ما يجعل من مواقف الإدانات مجرد تصريحات لا تغيّر من مجريات الواقع شيئًا.
إن استمرار هذا المسار سيقود إلى تصفية ممنهجة لما تبقى من الأرض الفلسطينية، ويضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي بشأن مصداقيته والتزامه بمبادئ القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة




