لم تعد معاناة النازحين الفلسطينيين في قطاع غزة تقتصر على فقدان المنازل أو البحث عن مأوى آمن، بل امتدت لتطال تفاصيل الحياة اليومية الأكثر بداهة، من سرير للنوم وخزانة للملابس، وصولًا إلى مرافق صحية بدائية داخل الخيام. ومع غياب المواد الأساسية من الأسواق وارتفاع أسعارها، اضطر آلاف النازحين إلى ابتكار حلول معيشية من مخلفات البيوت المدمرة وما توفر من بيئتهم المحيطة، في مشهد يعكس قسوة الواقع من جهة، وقدرة الإنسان على التكيّف والبقاء من جهة أخرى.
روايات من داخل الخيام
رويات السكان من الواقع الميداني، تعكس حجم المأساة الإنسانية، حيث يقول مصطفى الأغا 42 عامًا: “في البداية استخدمناه للتظليل فقط، وبعد فترة صار الناس يصنعون منه خزائن بسيطة وفواصل داخلية داخل الخيام.. الخشب غالي ونادر، والسعف متوفر في بعض المناطق الزراعية، لذلك بدأنا نستفيد منه لحفظ الملابس والأغطية وإبعادها عن الرمل والرطوبة”.
بينما ذكر محمود بركة، وهو نازح من شرق خان يونس: “الحجارة وبقايا الباطون صارت تُستخدم لتثبيت الخيام حتى ما تتحرك مع الهواء، وأحيانًا نستفيد من الحديد والصفائح المعدنية في عمل حواجز أو أبواب مؤقتة.. ما حدا كان يتوقع نوصل لمرحلة نصنع فيها احتياجاتنا من بقايا بيوتنا، لكن هذا هو الواقع اليوم”.
على عتبات خيمة صغيرة في مواصي خان يونس، يقف تامر حمدان 32 عامًا يتأمل بسرور سريرًا استغرق إنجازه ثلاثة أيام متواصلة، بعدما أمضى شهورًا طويلة ينام على فرشة مهترئة فوق أرضية رطبة داخل خيمته “لم أتخيل أن يطول النزوح لهذه الدرجة. في البداية اعتقدنا أن المسألة أيام ونعود، لكن الوقت طال، وصارت الحياة داخل الخيمة تحتاج لأشياء أساسية حتى نقدر نتحملها”.
حياة معيشية صعبة
وتابع: “اشتريت أخشاب المشاتيح رغم غلائها وصنعت منها سريرًا بسيطًا، لأن النوم على الأرض صار متعبًا جدًا، خصوصًا مع الرطوبة والبرد. نفسي أعمل أسرّة للأولاد كمان، لكن كل شيء غالي وصعب”. وباتت أخشاب قواعد البضائع التجارية، المعروفة محليًا باسم “المشاتيح”، مادة أساسية يعتمد عليها النازحون في صناعة أسرّة وطاولات وكراسٍ ودواليب صغيرة، بعدما تحولت إلى البديل الأكثر حضورًا في ظل غياب الأثاث التقليدي من الأسواق”. حسب المركز الفلسطيني للإعلام.
على شارع الرشيد الساحلي غرب خان يونس، أعاد ناهض أبو عزب افتتاح منجرته داخل مساحة بسيطة تغطيها الشوادر البلاستيكية، بعد أن دمّرت الحرب منجرته الأساسية في بلدة عبسان شرق المدينة “قبل الحرب كنت أشتغل بالأبواب والنوافذ وغرف النوم، واليوم تغير كل شيء. صرنا نشتغل بما هو متوفر، ونعيد استخدام أخشاب بسيطة جدًا حتى نلبّي احتياجات الناس داخل الخيام”.
وفي زاوية صغيرة غرب خان يونس، يعرض يوسف سعود (25 عامًا) مراحيض منزلية بديلة جرى تصنيعها من ألواح الرخام والسيراميك التي أُعيد جمعها من البيوت والمنشآت المتضررة “البديل صار ضرورة. المراحيض الجاهزة شبه مفقودة، والمتوفر منها سعره مرتفع جدًا، لذلك بدأ الناس تبحث عن حلول بأي طريقة، حتى أحواض غسل الأواني صرنا نعملها من أوعية معدنية قديمة مثبتة على قواعد خشبية. الناس بتحاول توفر أي شيء يساعدها داخل الخيمة، ولو بإمكانيات بسيطة جدًا”.
أدوات من الملابس والأقمشة القديمة
ولم تقتصر محاولات التكيّف على الأثاث فقط، بل امتدت إلى الملابس والأقمشة القديمة التي فقدت وظيفتها الأساسية وتحولت إلى أدوات تُستخدم يوميًا داخل الخيام. وتقول أم محمد النجار، وهي نازحة في مواصي خان يونس: “كل قطعة قماش صار إلها قيمة. البطانيات القديمة والملابس التالفة استخدمناها كستائر داخلية، حتى نفصل بين مكان نوم الأولاد وباقي الخيمة ونحافظ على خصوصيتنا”.
وتتابع: “في أشياء كنا نعتبرها بسيطة جدًا قبل الحرب، واليوم صارت ضرورية. حتى الأقمشة القديمة صرنا نخيط منها أغطية لحفظ الملابس أو المواد الغذائية داخل الخيمة”. وفي ظل أزمة المياه المتفاقمة، أصبحت العبوات البلاستيكية الفارغة جزءًا من المشهد اليومي داخل المخيمات.




