في أحد أزقة بيت لحم القديمة، كان محمود حسن الورديان يعرف بوجهه البشوش وهدوئه، وبجلسته المسائية مع والده في باحة البيت، يتبادلان أطراف الحديث عن هموم الحياة وآمال الغد. لم يكن يخطر بباله أن لحظة طرق الأبواب عند الفجر ستكون بداية النهاية، حين اقتحمت قوات الاحتلال المنزل في 18 آب/ أغسطس، واقتادته مكبلاً مع والده، تاركين خلفهم بيتاً مثقلاً بالصمت والخوف.
قسوة السجانين
داخل الزنازين الباردة، بدأ فصل جديد من معاناة محمود. أسابيع من التحقيق المتواصل، الحرمان من النوم، والإهانات التي لا تتوقف. لم يكن جسده، المثقل بأمراض مزمنة، قادراً على مقاومة قسوة السجانين. ومع كل يوم يمر، كان الألم ينهش فيه أكثر، فيما كان يردد في سرّه دعاءً واحداً: أن يعود إلى أطفاله ولو لمرة واحدة.
حين أفرج الاحتلال عنه، لم يخرج محمود منتصراً كما كان يحلم. خرج جسداً منهكاً بالكاد يقوى على التنفس، وملامحه تشي بأن روحه عُلقت بين الحياة والموت. أسرته التي استقبلته بالدموع لم تجد أمامها سوى سرير في المستشفى، وساعات طويلة من الانتظار، دون أن يدرك نداء ابنه “قوم يا بابا” قبل أن يخبو صوته إلى الأبد.
اغتيال الروح الفلسطينية
رحل محمود تاركاً خلفه أبناءً يسألون عن سر غيابه المفاجئ، وأباً عجوزاً تحوّل قلبه إلى حطام وهو يستعيد لحظة الاعتقال، وبيتاً لن ينسى صدى الأقدام العسكرية التي سلبت منهم الأحبة.
قصة محمود ليست استثناءً، بل هي صورة من وجع يتكرر مع آلاف الأسرى الفلسطينيين الذين يواجهون التحقيق والتعذيب، بعضهم يعود إلى بيته محمولاً على الأكتاف، وآخرون يظلون خلف القضبان يعاندون المرض والإهمال. لكنّ محمود، بملامحه الهادئة وحكايته القصيرة، سيبقى شاهداً على أن الزنزانة لم تقتل الجسد فقط، بل حاولت اغتيال الروح الفلسطينية الصامدة.





