تتواصل معاناة الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة في ظل تصاعد العمليات العسكرية الإسرائيلية واتساع رقعة عنف المستوطنين، بينما تزداد القيود المفروضة على الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، في مشهد تقول منظمات إنسانية إنه أدى إلى تدهور غير مسبوق في الأوضاع الإنسانية، خصوصاً منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وتحذر منظمات دولية من أن استمرار هذه الإجراءات ينعكس بصورة مباشرة على قدرة الفلسطينيين على الحصول على العلاج والرعاية الصحية، ويضاعف المخاطر التي تواجه المدنيين في حياتهم اليومية.
تصاعد أعداد الضحايا
وفق بيانات أوردتها منظمة أطباء بلا حدود، قُتل 1109 فلسطينيين في الضفة الغربية والقدس الشرقية منذ اندلاع الحرب على غزة، بينهم 243 طفلاً على الأقل، نتيجة عمليات نفذتها القوات الإسرائيلية أو مستوطنون.
كما تشير البيانات إلى أن 74 فلسطينياً لقوا حتفهم منذ بداية العام، في ظل استمرار العمليات العسكرية والمواجهات في مدن وبلدات الضفة الغربية.
قيود على الحركة تعرقل الوصول إلى العلاج
تؤكد منظمات إنسانية أن القيود الإسرائيلية على التنقل باتت تشكل أحد أبرز التحديات أمام حصول الفلسطينيين على الرعاية الطبية، حيث تنتشر مئات الحواجز ونقاط التفتيش التي تؤخر حركة المرضى وسيارات الإسعاف، وتحد من وصول الطواقم الطبية إلى المناطق المتضررة.
وفي مدينة نابلس، تواصل منظمة أطباء بلا حدود تقديم خدمات الصحة النفسية، إلا أنها تؤكد أن القيود المفروضة على الحركة تجعل الوصول إلى المرضى أكثر صعوبة، خاصة بعد رفض السلطات الإسرائيلية تسجيل عدد من المنظمات الإنسانية الدولية العاملة في الأراضي الفلسطينية.
شهادة أم فقدت ابنتها
تروي الفلسطينية رنا، من قرية عزون عتما بمحافظة قلقيلية، واحدة من أكثر القصص إيلاماً، إذ تقول إنها فقدت ابنتها البالغة عامين عام 2011 بعدما تعذر نقلها إلى المستشفى بسبب إغلاق البوابة العسكرية الوحيدة المؤدية إلى القرية.
وتوضح أن القرية محاطة بالجدار الفاصل والمستوطنات الإسرائيلية، ولا يمكن الدخول إليها أو الخروج منها إلا عبر بوابة يفتحها الجيش لساعات محدودة يومياً، ما يجعل الوصول إلى الخدمات الطبية رهناً بالإجراءات العسكرية.
وتقول رنا إن ما حدث معها لا يمثل حالة استثنائية، بل يعكس معاناة تعيشها عائلات فلسطينية كثيرة تواجه صعوبات مماثلة عند محاولة الوصول إلى المستشفيات أو المراكز الصحية.
واقع يومي من الخوف
تضيف رنا أن معاناتها لم تتوقف عند فقدان طفلتها، إذ تعيش أسرتها منذ سنوات في منزل تعرض جزء منه للهدم، بينما تواصل إعادة بنائه تدريجياً وفق إمكاناتها المحدودة.
وتصف حياتها اليومية بأنها محاطة بالمخاطر، سواء بسبب الجدار الفاصل أو المستوطنات المجاورة، مشيرة إلى أنها اضطرت أثناء حملها الأخير إلى السفر ليلاً بين المدن للوصول إلى مستشفى يستطيع استقبالها، وسط مخاوف من إغلاق الطرق أو تأخر الوصول إلى الرعاية الطبية.
منظمات إنسانية: الوصول إلى الرعاية أصبح أكثر تعقيداً
يرى رئيس بعثة منظمة أطباء بلا حدود في الأراضي الفلسطينية، فيليبي ريبيرو، أن الفلسطينيين يغادرون منازلهم كل صباح دون ضمان تمكنهم من العودة في نهاية اليوم، بسبب الحواجز العسكرية والإجراءات الأمنية.
ويؤكد أن المرضى يواجهون عراقيل متزايدة في الوصول إلى المستشفيات، بينما تتعرض سيارات الإسعاف للتأخير أو المنع، في حين تؤثر العمليات العسكرية على استمرارية تقديم الخدمات الطبية.
كما يشير إلى أن رفض تسجيل عشرات المنظمات الإنسانية الدولية، ومن بينها منظمة أطباء بلا حدود، أدى إلى تعقيد عمل الطواقم الإنسانية، بعدما أصبحت تواجه صعوبات في التنسيق الأمني اللازم لتحركاتها داخل الضفة الغربية.
أرقام تعكس اتساع القيود
تشير بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إلى وجود 925 عائقاً دائماً أو مؤقتاً أمام حركة الفلسطينيين في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، حتى نهاية عام 2025، وهو ما يؤثر على تنقل نحو 3.4 ملايين فلسطيني.
كما توثق مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان ارتفاعاً ملحوظاً في هجمات المستوطنين، حيث سُجل أكثر من 3000 هجوم خلال الفترة بين عامي 2023 و2025، مقارنة بالفترة السابقة، في مؤشر على تصاعد أعمال العنف ضد الفلسطينيين.
أزمة إنسانية تتفاقم مع استمرار القيود
تعكس التطورات في الضفة الغربية تداخلاً بين التحديات الأمنية والإنسانية، حيث أصبحت القيود على الحركة عاملاً رئيسياً في التأثير على حياة المدنيين، ولا سيما المرضى والنساء والأطفال. كما أن استمرار العنف وتزايد الحواجز يضعان النظام الصحي الفلسطيني تحت ضغوط متزايدة، ويحدان من قدرة المنظمات الإنسانية على أداء مهامها.
وفي ظل غياب مؤشرات على تخفيف القيود أو تراجع التوتر، تحذر منظمات الإغاثة من أن الأوضاع الإنسانية مرشحة لمزيد من التدهور، ما لم تُتخذ خطوات تضمن حماية المدنيين وتيسير وصولهم إلى الخدمات الأساسية، وفي مقدمتها الرعاية الصحية.





