تتجه الكارثة الإنسانية في قطاع غزة إلى مرحلة غير مسبوقة من الانهيار، في ظل استمرار الحصار الإسرائيلي المطبق، ومنع دخول المساعدات الإنسانية، واتساع رقعة المجاعة إلى درجة بات معها الإغماء والموت بسبب الجوع مشهداً يومياً، حتى في صفوف العاملين في منظمات الإغاثة الدولية، كما أكدت وكالة “أونروا”.
إن تحول الجوع إلى أداة حرب معلنة يكشف عن مستوى خطير من التوظيف السياسي والانتقامي ضد السكان المدنيين، لا سيما أن التقارير الواردة من غزة لا تتحدث عن أزمة طعام فقط، بل عن انهيار شامل في مقومات الحياة. ما نسبته 94% من المرافق الصحية في القطاع تضررت، ونصف المستشفيات خرجت عن الخدمة، بينما البقية تعمل بإمكانات شبه معدومة بسبب نفاد الوقود والإمدادات. هذه الأرقام، التي أوردتها منظمة الصحة العالمية، تعني أن القطاع دخل عملياً مرحلة “الموت الصامت”؛ إذ لا غذاء، لا دواء، ولا أي وسيلة لتقديم العلاج أو حتى دفن الضحايا.
انهيار شامل في مقومات الحياة
تؤكد تصريحات الأمم المتحدة والصليب الأحمر أن الوضع تجاوز حد الكارثة إلى ما يمكن وصفه بجريمة مستمرة، تتسم بسمات “الإبادة الجماعية”. فالمدنيون، بمن فيهم الأطفال وذوو الاحتياجات الخاصة، يُقتلون بسبب الجوع، والبعض يُطلق عليه النار أثناء محاولته الوصول إلى شاحنات الإغاثة، في انتهاك سافر لمبادئ القانون الإنساني الدولي. بل إن “أوتشا” ذهبت إلى وصف ما يجري بأنه “انهيار سريع لشرايين الحياة”، ما يعكس حجم المأساة واستعجال التدخل الدولي الذي لم يتحقق حتى الآن.
في المقابل، تواصل إسرائيل تعنتها في إغلاق المعابر ومنع دخول المساعدات، متذرعة بمسوغات أمنية تتجاهل قرارات محكمة العدل الدولية الداعية إلى السماح الفوري بدخول المساعدات ووقف العمليات العسكرية. هذا التجاهل لا يمكن قراءته إلا بوصفه تحدياً مقصوداً للنظام القانوني الدولي، ومحاولة لفرض واقع جديد على الأرض يقوم على الإبادة البطيئة للسكان من خلال الحصار والتجويع، لا سيما بعد تدمير البنية التحتية بشكل ممنهج وتهجير أكثر من 1.5 مليون فلسطيني.
أين منظمات حقوق الإنسان؟
ولا يخفى أن استمرار هذه السياسة في ظل غياب ضغط دولي حقيقي، يشير إلى تواطؤ ضمني يسمح باستخدام الجوع كسلاح حرب، وهو ما تحذر منه منظمات حقوق الإنسان والأمم المتحدة صراحة، في ظل انعدام الأفق لأي حل سياسي أو إنساني. إن فشل المجتمع الدولي في فك الحصار أو حتى ضمان دخول المساعدات، لا يعكس فقط ضعف المؤسسات الدولية، بل أيضاً انحيازاً فجاً يشرعن استخدام أساليب تجويع المدنيين كأداة للتركيع الجماعي.
إن الصورة التي تخرج من غزة اليوم ليست فقط كارثة إنسانية؛ إنها مأساة أخلاقية وقانونية عالمية، تشهد فيها الإنسانية على نفسها بالعجز، أو ربما بالتخلي الكامل. وفي ظل استمرار هذا الواقع، فإن قطاع غزة يتحول إلى مسرح مفتوح لموت بطيء، يتحدى كل معاني القانون والرحمة والضمير العالمي.






