دخل ملف وقف إطلاق النار في لبنان مرحلة جديدة من المتابعة الدولية المكثفة، بعد الإعلان عن تشكيل خلية خاصة لمراقبة وقف التصعيد، في خطوة تعكس رغبة الأطراف الإقليمية والدولية في تثبيت الهدنة ومنع انزلاق الأوضاع مجدداً نحو المواجهة العسكرية، وسط تأكيد لبناني على التمسك بالسيادة الوطنية ورفض أي تدخل خارجي في إدارة الشؤون الداخلية.
وفي هذا السياق، شدد الرئيس اللبناني جوزيف عون على أن لبنان يتمسك بحقه الحصري في إدارة شؤونه الوطنية، مؤكداً أن أي دعم أو مساعدة خارجية مرحب بها طالما بقيت ضمن إطار المساندة ولم تتحول إلى تدخل مباشر في القرارات السيادية للدولة.
وقال عون إن لبنان هو الجهة الوحيدة المخولة بالتفاوض بشأن قضاياه الوطنية، مؤكداً أن الدولة اللبنانية لن تقبل بأن يتحدث أو يتفاوض أي طرف آخر نيابة عنها في الملفات المرتبطة بالأمن والاستقرار ومستقبل البلاد.
اجتماع رباعي يناقش مستقبل وقف النار
وجاءت تصريحات الرئيس اللبناني عقب مشاركته في اتصال مرئي ضم نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، وكبير مستشاري الرئيس الأميركي جاريد كوشنر، ورئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني.
وبحث الاجتماع سبل تثبيت وقف إطلاق النار في لبنان، وآليات مراقبة الالتزام بالتهدئة، إلى جانب الإجراءات المطلوبة لمنع أي خروقات قد تؤدي إلى تجدد المواجهات العسكرية في المناطق الحدودية.
وأكد المشاركون أهمية البناء على الهدوء الحالي من أجل توفير بيئة مناسبة لمعالجة الملفات الأمنية والسياسية العالقة، بما يساهم في تعزيز الاستقرار الإقليمي ويحد من مخاطر التصعيد.
آلية جديدة لمراقبة الالتزام بالهدنة
وكشف نائب الرئيس الأميركي أن الأطراف المعنية توصلت إلى إنشاء آلية خاصة لضبط وقف إطلاق النار في لبنان، موضحاً أن هذه الآلية ستعمل على مراقبة تنفيذ الالتزامات الميدانية والتأكد من احترام ترتيبات التهدئة المتفق عليها.
كما أشار إلى وجود مسار موازٍ يتعلق بملف سلاح «حزب الله»، مع تأكيد ضرورة ممارسة ضغوط على إيران لكبح أي تحركات قد تؤثر على استقرار الوضع اللبناني أو تهدد جهود تثبيت الهدنة.
وتعكس هذه التصريحات حجم الاهتمام الدولي بالملف اللبناني، خصوصاً في ظل المخاوف من أن يؤدي أي خرق أمني محدود إلى إعادة إشعال التوترات في منطقة تعاني بالفعل من أزمات سياسية واقتصادية وأمنية متراكمة.
مرحلتان أساسيتان لعمل خلية وقف النار
وبحسب المعلومات المتداولة، فإن عمل خلية مراقبة وقف النار سيرتكز على مرحلتين رئيسيتين، تم تصميمهما لضمان الانتقال التدريجي من مرحلة التهدئة إلى مرحلة الاستقرار الكامل.
وتتمثل المرحلة الأولى في تثبيت وقف إطلاق النار بشكل كامل، والعمل على ضبط الوضع الأمني ومنع أي حوادث أو احتكاكات قد تؤدي إلى انهيار الهدنة. وتشمل هذه المرحلة مراقبة التطورات الميدانية بشكل مستمر، وتنسيق الجهود بين الأطراف المعنية لمعالجة أي خروقات محتملة بسرعة وفعالية.
أما المرحلة الثانية فتتمحور حول استكمال الانسحاب الإسرائيلي، باعتباره أحد أبرز الملفات المطروحة على طاولة المفاوضات، حيث ترى الجهات المعنية أن تحقيق تقدم في هذا المسار يمثل خطوة أساسية لترسيخ الاستقرار طويل الأمد في جنوب لبنان.
واشنطن تستضيف المشاورات الحاسمة
ومن المنتظر أن تستضيف واشنطن خلال اليومين المقبلين سلسلة اجتماعات مخصصة لمناقشة التفاصيل الفنية المتعلقة بعمل الخلية الجديدة، بما يشمل تحديد الصلاحيات وآليات التنفيذ وطرق التنسيق بين الأطراف المشاركة.
وتكتسب هذه الاجتماعات أهمية خاصة لأنها ستحدد الإطار العملي الذي ستعمل من خلاله الخلية، إضافة إلى وضع آليات واضحة للتعامل مع أي تطورات ميدانية أو خلافات قد تنشأ أثناء تنفيذ مهامها.
ويرى مراقبون أن نجاح هذه الخلية سيكون مرتبطاً بقدرتها على تحقيق توازن دقيق بين متطلبات الأمن والاستقرار من جهة، واحترام السيادة اللبنانية من جهة أخرى، وهو ما شدد عليه الرئيس جوزيف عون في تصريحاته الأخيرة.
لبنان بين اختبار التهدئة وفرصة الاستقرار
وتمثل خلية وقف النار أحدث محاولة دولية لتحويل الهدنة الحالية إلى مسار أكثر استدامة، في وقت تتطلع فيه بيروت إلى استعادة الاستقرار السياسي والأمني بعد أشهر من التوترات المتلاحقة.
ومع انطلاق المشاورات الدولية حول تفاصيل عمل الخلية، تترقب الأوساط اللبنانية نتائج هذه الجهود وما إذا كانت ستنجح في تثبيت وقف إطلاق النار بشكل دائم، وتهيئة الظروف اللازمة لمعالجة الملفات العالقة، وفي مقدمتها الانسحاب الإسرائيلي وترتيبات الأمن على الحدود الجنوبية، بما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الهدوء والاستقرار في لبنان.




