بعد أكثر من عقد من التوتر والخصومة السياسية، يقدّم المشهد الذي جمع الرئيسين رجب طيب أردوغان وعبد الفتاح السيسي في القاهرة صورة مختلفة جذرياً عن مرحلة طويلة اتسمت بالقطيعة، وتبادل الاتهامات، وتضارب المشاريع الإقليمية. التقارب الذي أعلن عنه الطرفان لا يقتصر على إعادة فتح قنوات الاتصال، بل يعكس – وفق الخطاب الرسمي – انتقال العلاقات إلى مستوى «استراتيجي»، تحكمه حسابات المصالح وتبدلات البيئة الإقليمية.
فالدعم المشترك لوحدة وسيادة الصومال، والإدانة العلنية للحرب في غزة، والتنسيق في ملفات ليبيا والقرن الأفريقي، إلى جانب توقيع اتفاقيات تعاون اقتصادي وأمني، تؤشر جميعها إلى رغبة متبادلة في إعادة صياغة موقع البلدين في معادلات الشرق الأوسط.
غير أن هذا التحول لا يمكن فهمه بمعزل عن تاريخ الخلافات العميقة التي فصلت أنقرة والقاهرة منذ عام 2013.
من قطيعة ما بعد 2013 إلى براغماتية المصالح
شكّل عزل الرئيس المصري الأسبق محمد مرسي في يوليو 2013 نقطة الانكسار الكبرى في العلاقات الثنائية. فقد تبنّت تركيا آنذاك موقفاً صدامياً تجاه السلطة الجديدة في مصر، واعتبر أردوغان ما جرى «انقلاباً على الشرعية»، فيما ردّت القاهرة باتهام أنقرة بالتدخل في شؤونها الداخلية واحتضان قوى معارضة للدولة المصرية.
تراكمت الخلافات لاحقاً في ملفات متعددة، من شرق المتوسط، إلى ليبيا، مروراً بالموقف من جماعة الإخوان المسلمين، وصولاً إلى التنافس الحاد على النفوذ في العالم العربي. وعلى امتداد سنوات، بدت العلاقة محكومة بمنطق الصراع الصفري، حيث يصعب تصور أي مساحة لتفاهم سياسي حقيقي.
لكن التبدلات التي شهدها الإقليم منذ 2020، وتراجع منسوب الاستقطاب الحاد بين المحاور، دفعت الطرفين تدريجياً إلى مراجعة كلفة القطيعة، في ظل ضغوط اقتصادية داخلية لدى البلدين، وحاجة متزايدة إلى استقرار بيئة العلاقات الإقليمية.
الصومال… ملف تقاطع استراتيجي نادر
خلال المؤتمر الصحفي المشترك في القاهرة، شدد الرئيسان على ضرورة الحفاظ على وحدة الأراضي الصومالية وسيادتها، في ظل التوترات المحيطة بإقليم صوماليلاند.
وأكد أردوغان أن أنقرة والقاهرة تتبنيان موقفاً واحداً إزاء هذه القضية الحساسة، فيما اعتبر السيسي أن التنسيق بين البلدين عنصر أساسي لاستقرار منطقة القرن الأفريقي.
وتحمل هذه النقطة دلالة خاصة، لأن القرن الأفريقي كان في السنوات الماضية أحد مسارح التنافس غير المباشر بين قوى إقليمية، من بينها تركيا ومصر، سواء عبر القواعد العسكرية أو الشراكات الاقتصادية والموانئ. اليوم، يبدو أن الطرفين يحاولان تقديم أنفسهما كرافعتين للاستقرار بدل التنافس، في منطقة شديدة الحساسية جيوسياسياً.
غزة… تقاطع سياسي يتجاوز الحسابات الثنائية
احتلت الحرب في غزة موقعاً محورياً في مواقف الزعيمين. فقد وجّه أردوغان انتقادات حادة لإسرائيل، متهماً حكومتها بشن حرب تدمير وتجويع بحق الفلسطينيين، ودعا المجتمع الدولي إلى ممارسة ضغط فعلي من أجل وقف فوري لإطلاق النار وزيادة تدفق المساعدات الإنسانية.
من جانبه، ركّز السيسي على دور مصر في الوساطة بالتنسيق مع قطر والولايات المتحدة، مؤكداً أن الحل القائم على إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية هو المسار الوحيد لتحقيق سلام دائم.
واللافت أن الخطابين، رغم اختلاف نبرتهما، التقيا في الخلاصة السياسية: لا استقرار إقليمياً من دون تسوية عادلة للقضية الفلسطينية.
هذا التقاطع يمنح التقارب التركي – المصري بعداً يتجاوز العلاقات الثنائية، ويدفعه إلى مستوى اصطفاف دبلوماسي في أحد أكثر ملفات المنطقة حساسية وتأثيراً.
ليبيا… من ساحة صراع بالوكالة إلى محاولة تنسيق
في الملف الليبي، طالما وقفت أنقرة والقاهرة على طرفي نقيض. دعمت تركيا حكومة طرابلس السابقة، فيما دعمت مصر معسكر شرق ليبيا بقيادة خليفة حفتر. وكانت ليبيا إحدى أبرز ساحات الصدام غير المباشر بين البلدين.
اليوم، يتحدث الجانبان عن ضرورة تعزيز التنسيق من أجل الدفع نحو مسار سياسي وانتخابات نزيهة واستعادة الاستقرار. ورغم أن هذا التحول في الخطاب لا يعني بالضرورة تطابق الرؤى أو المصالح، إلا أنه يعكس إدراكاً مشتركاً بأن استمرار الانقسام الليبي بات عبئاً إقليمياً يصعب الدفاع عنه، خصوصاً في ظل الجمود السياسي الطويل وتراجع فرص الحسم العسكري.
إيران والتصعيد الإقليمي… هاجس مشترك
تناولت المباحثات أيضاً الملف الإيراني ومخاطر الانزلاق إلى مواجهة إقليمية واسعة. وأبدى الطرفان رغبة واضحة في تجنب سيناريو انفجار شامل في الشرق الأوسط، في وقت تتداخل فيه ساحات الصراع من غزة إلى لبنان وسوريا والعراق.
هذا الموقف يعكس تقاطعاً في هواجس الأمن الإقليمي، حتى وإن اختلفت مقاربات القاهرة وأنقرة التقليدية تجاه طهران.
الاقتصاد كرافعة للتطبيع السياسي
على الصعيد الثنائي، جرى توقيع عدد من اتفاقيات التعاون في مجالات الطاقة والتجارة والصناعات الدفاعية، مع إعلان هدف طموح يتمثل في رفع حجم التبادل التجاري إلى 15 مليار دولار خلال السنوات المقبلة.
ويعكس هذا البعد الاقتصادي تحوّلاً مهماً في فلسفة العلاقة. فبعد سنوات من تسييس الخلافات إلى أقصى الحدود، باتت المصالح التجارية والاستثمارية تشكل إحدى أدوات تثبيت التقارب ومنحه طابعاً عملياً قابلاً للاستمرار.
لماذا الآن؟ قراءة في دوافع التقارب
التقارب الحالي لا يمكن فصله عن سياق إقليمي أوسع يتسم بتهدئة نسبية بين خصوم الأمس. فالسعودية وإيران أعادتا العلاقات، وتركيا أعادت فتح قنواتها مع عدد من العواصم العربية، فيما تسعى مصر بدورها إلى تنويع شراكاتها وتخفيف حدة الاستقطاب في محيطها.
في هذا المناخ، بات من الصعب على أنقرة والقاهرة الاستمرار في موقع الخصومة المفتوحة، خصوصاً مع تراجع شهية القوى الكبرى للانخراط المباشر في أزمات المنطقة، وازدياد الاعتماد على الترتيبات الإقليمية.
إسرائيل في حسابات التقارب الجديد
لا يمر هذا التقارب من دون قلق في تل أبيب. فوفق قراءة عدد من الصحف الغربية، لا يشكل التنسيق التركي – المصري تهديداً عسكرياً مباشراً لإسرائيل، لكنه يبعث بإشارة سياسية مقلقة.
قوتان إقليميتان سنيتان، لطالما اختلفتا في ما بينهما، تتقاطعان اليوم في انتقاد السياسات الإسرائيلية، وفي دعم رواية سياسية أكثر صرامة بشأن غزة.
بالنسبة لإسرائيل، تكمن الحساسية أساساً في البعد الدبلوماسي. فمصر تمثل لاعباً مركزياً في ملف غزة والوساطة، في حين تمتلك تركيا قدرة معتبرة على التأثير في الرأي العام الإقليمي والدولي. ويعني تلاقي الخطابين أن هامش المناورة السياسية في هذا الملف قد يضيق في مرحلة تتزايد فيها الضغوط الدولية أصلاً.
هل انتهت الخلافات أم جرى تجميدها؟
رغم كل ما قيل عن «عهد جديد» في العلاقات التركية – المصرية، يبقى السؤال الأهم: هل نحن أمام مصالحة استراتيجية كاملة، أم أمام إدارة ذكية للخلافات؟
الملفات الخلافية القديمة لم تختفِ بالكامل، بل جرى في الغالب تحييدها مرحلياً أو إعادة ترتيبها تحت سقف المصالح المشتركة. فالتنافس على النفوذ، والاختلاف في الرؤى تجاه بعض القوى الإقليمية، ما زال قائماً، وإن تراجع حضوره في الخطاب العلني.
لكن المؤكد أن أنقرة والقاهرة انتقلتا من منطق المواجهة المفتوحة إلى منطق البراغماتية السياسية. وفي منطقة سريعة التحول كمنطقة الشرق الأوسط، قد يكون هذا التحول بحد ذاته أهم من مضمون الاتفاقيات الموقعة.






