يتعرض الحرم الإبراهيمي في الخليل، أحد أقدس المعالم الدينية الإسلامية والمسيحية وأبرز رموز التراث الفلسطيني، لاعتداءات متكررة تزداد خطورتها مع انعقاد مؤتمر استيطاني داخل باحاته بمشاركة وزراء من حكومة الاحتلال الإسرائيلي. هذه الخطوة لم تكن مجرد فعالية سياسية، بل رسالة واضحة تهدف إلى تكريس تهويد المكان، وإلغاء روايته التاريخية والدينية، وتحويله إلى ساحة لتصفية الهوية الفلسطينية.
حماية المقدسات الإسلامية
في مواجهة هذا التصعيد، وجّه علي زيدان أبو زهري، عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية ورئيس اللجنة الوطنية للتراث المادي وغير المادي، نداءً عاجلاً إلى المجتمع الدولي، وبالأخص منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، للتحرك بخطوات عملية وملموسة على الأرض لحماية المقدسات الإسلامية والمسيحية، وعلى رأسها الحرم الإبراهيمي المسجل على لائحة التراث العالمي.
رسالة أبو زهري حملت بعداً إنسانياً يتجاوز حدود الصراع السياسي، إذ أكد أن ما يتعرض له التراث الفلسطيني هو جريمة بحق الهوية الإنسانية جمعاء، لا تخص الفلسطينيين وحدهم، بل تمس الإرث العالمي الذي يشترك فيه البشر جميعاً. وطالب باتخاذ إجراءات رادعة ضد منظومة الاحتلال التي تمضي في سياسة ممنهجة لطمس التاريخ وتغيير معالم الذاكرة الجمعية للشعب الفلسطيني.
الخطر الذي يحذر منه أبو زهري لا يقف عند حدود الانتهاكات التراثية، بل يمتد إلى محاولة تحويل الصراع إلى مواجهة دينية مفتوحة، بما تحمله من تداعيات خطيرة على السلم المجتمعي والإقليمي. فالمساس بالحرم الإبراهيمي لا يعني استفزاز الفلسطينيين فحسب، بل جرحاً غائراً لملايين المسلمين والمسيحيين حول العالم ممن يرون في هذا المكان جزءاً من عقيدتهم وهويتهم الروحية.
تهويد المقدسات
النداء الفلسطيني يعكس وعياً بأن الدفاع عن التراث ليس مجرد دفاع عن حجر أو مبنى، بل عن حق أجيال كاملة في الحفاظ على روايتها التاريخية والإنسانية. لذلك جاء التشديد على أن التراث المادي وغير المادي الفلسطيني هو جزء أصيل من الهوية العالمية، وحمايته واجب دولي لا يقل أهمية عن حماية الأرواح، لأن تغييب التاريخ وتشويه الذاكرة لا يقل فتكاً عن أي عدوان عسكري.
بهذا الخطاب، حاول أبو زهري أن ينقل معاناة الفلسطينيين من دائرة الشكوى المحلية إلى ساحة المسؤولية الدولية، مؤكداً أن صمت العالم على تهويد المقدسات سيجعل من المؤسسات الأممية شريكاً غير مباشر في جريمة محو الهوية. وفي ظل استمرار الانتهاكات، يبقى السؤال قائماً: هل ستتحول دعوات الحماية الدولية إلى أفعال ملموسة قبل أن يفقد العالم أحد أهم معالم تراثه الإنساني؟





