في ظل تصاعد الكارثة الإنسانية في قطاع غزة واستمرار الانسداد السياسي والدبلوماسي، تأتي كلمة الرئيس الفلسطيني محمود عباس لتشكل موقفًا سياسيًا وإنسانيًا يتقاطع مع لحظة تاريخية خطيرة يمر بها الشعب الفلسطيني. فالتصريحات التي أدلى بها الرئيس في كلمته المتلفزة، تعكس محاولة رسمية لإعادة توجيه بوصلة الموقف السياسي الفلسطيني تجاه عدة قضايا مترابطة: الكارثة في غزة، التهديدات في الضفة الغربية، وفشل المجتمع الدولي في كبح جماح الاحتلال.
الرسالة الأساسية التي يمكن استخلاصها من خطاب الرئيس هي تأكيد أن ما يجري في غزة تجاوز كونه حربًا، إلى كونه “إبادة جماعية ممنهجة”، تستخدم فيها إسرائيل سلاح التجويع والتدمير والعزل كوسيلة للضغط والتركيع. ومن خلال هذا الوصف، يسعى عباس إلى تأطير ما يتعرض له الفلسطينيون ضمن نطاق “جرائم الحرب”، بما يحيل الملف برمّته إلى المجتمع الدولي، الذي طالبه بشكل مباشر “بالتحرك الفوري” و”عدم التواطؤ بالصمت”، محمّلًا إيّاه مسؤولية أخلاقية وإنسانية وقانونية.
الاعتراف بدولة فلسطين
دلالات الخطاب تتجاوز الإدانة الأخلاقية إلى دعوة سياسية واضحة لتدويل الأزمة، ليس فقط عبر الضغط على الاحتلال لوقف إطلاق النار وإدخال المساعدات، بل عبر الدفع نحو الاعتراف بدولة فلسطين وتمكينها على الأرض. وهذا يشي بتحرك فلسطيني يستهدف كسر الواقع القائم، والذي يتجلى في ازدواجية السلطة الإدارية والعسكرية الإسرائيلية، خصوصًا في الضفة، حيث يواجه الفلسطينيون تصعيدًا متوازيًا في التوسع الاستيطاني ومحاولات فرض “السيادة” بحكم الأمر الواقع.
واشنطن تتحمل المسؤولية
وفي السياق ذاته، فإن الخطاب يتضمن نبرة استغاثة، حيث خاطب الرئيس الله مباشرة، ووجّه نداء استغاثة للعالم، واصفًا كيف أن “كل عائلة فلسطينية” باتت مستعدة لحمل الحليب والدواء مشيًا إلى غزة. هذه الصياغة، وإن بدت وجدانية، إلا أنها تعكس انكسار ثقة القيادة في جدوى التحركات الدولية الشكلية، وتؤشر إلى انكشاف الموقف الفلسطيني أمام وحشية آلة الاحتلال.
في المقابل، فإن الرسالة التي وجهها الرئيس إلى الإدارة الأميركية، وتحديدًا إلى الرئيس الأميركي ترامب تعبّر عن الإصرار على تحميل واشنطن مسؤولية خاصة، بحكم دورها السياسي والعسكري في دعم إسرائيل. وهي دعوة غير مباشرة لإعادة تقييم العلاقة الفلسطينية-الأميركية، التي ما زالت مشروطة وعاجزة عن وقف الانهيار الإنساني.
كذلك، فإن تأكيد الرئيس رفض التهجير والتمسك بالعودة إلى أماكن السكن في غزة، يوجه رسالة تحذيرية ضد أي حلول تفرض الترحيل القسري، سواء بغطاء أمني أو إنساني، ويستبق سيناريوهات التهجير الجماعي التي يحذر منها الفلسطينيون منذ شهور.
دلالة سياسية واضحة
وفيما يتعلق بالضفة، شدد الرئيس على أن محاولات فرض السيادة الإسرائيلية على المستوطنات هي “تصعيد خطير”، في تلميح مباشر إلى الإجراءات التي أقرها وزير المالية الإسرائيلي سموتريتش، والتي تهدف إلى شرعنة الضم التدريجي للضفة عبر مشاريع البنية التحتية. هذه الإشارة تربط ما يجري في غزة بما يحدث في الضفة، في إطار سياسة احتلالية موحّدة تسعى إلى تقويض فكرة الدولة الفلسطينية من جذورها.
إن دعوة الرئيس إلى “الوحدة تحت راية منظمة التحرير الفلسطينية” تحمل دلالة سياسية واضحة تستهدف إعادة التأكيد على مرجعية المنظمة، في وقت تشهد فيه الساحة الفلسطينية انقسامًا حادًا، وتواجه فيه السلطة تحديات داخلية غير مسبوقة.
بذلك، لا يمكن قراءة خطاب الرئيس بمعزل عن السياق الإقليمي والدولي، ولا عن المأزق الداخلي الذي تعانيه السلطة الفلسطينية. لكنه يظل محاولة لإبقاء القضية الفلسطينية حيّة في الضمير العالمي، وإعادة ترتيب الأولويات الوطنية في ظل المأساة الكبرى التي تعصف بغزة والضفة معًا.






