تتجه الحكومة الفلسطينية إلى إعادة هيكلة قطاع المحروقات في الضفة الغربية، بعد أزمة وقود غير مسبوقة أدت إلى طوابير طويلة أمام محطات الوقود، وأثارت مخاوف من تعطل قطاعات النقل والخدمات، في ظل أزمة مالية خانقة تعيشها السلطة الفلسطينية منذ أشهر.
وأعلن وزير المالية والتخطيط الفلسطيني، اسطفان سلامة، عن حزمة إجراءات تهدف إلى احتواء الأزمة، أبرزها إنشاء شركة حكومية للمحروقات، وإعادة تنظيم آلية إدارة القطاع، في محاولة لضمان استقرار الإمدادات وتقليل مخاطر تكرار الأزمات مستقبلاً.
شركة حكومية لإدارة سوق المحروقات
وأوضح الوزير أن المقترح يقوم على تأسيس شركة مملوكة بالكامل للحكومة، بالتوازي مع إعادة هيكلة الهيئة العامة للبترول، التي تتولى حالياً تنظيم قطاع المحروقات وشراء الوقود وتوزيعه.
وبحسب سلامة، فإن الفصل بين الجهة المنظمة للسوق والجهة المسؤولة عن شراء الوقود سيمنح الحكومة مرونة أكبر في إدارة القطاع، ويحد من التعقيدات الإدارية التي ظهرت خلال الأزمة الحالية.
ويأتي هذا التوجه في وقت تعتمد فيه الضفة الغربية بشكل كامل تقريباً على الوقود القادم من إسرائيل، ما يجعل السوق الفلسطينية شديدة التأثر بأي اضطرابات مالية أو لوجستية.
طوابير ومحطات شبه فارغة
وخلال الأسبوعين الماضيين، تحولت طوابير السيارات أمام محطات الوقود إلى مشهد يومي في مدن الضفة الغربية، مع صعوبة توفير الكميات المطلوبة، التي تُقدر بنحو ثلاثة ملايين لتر يومياً.
ودفعت المخاوف من نفاد الوقود بعض المواطنين إلى تخزين كميات إضافية في عبوات بلاستيكية، فيما لوّح سائقو سيارات الأجرة، الذين يمثلون العمود الفقري لقطاع النقل العام، بتعليق عملهم إذا استمرت الأزمة.
كما أشار وزير المالية إلى ظهور مؤشرات على تخزين الوقود والمضاربة به، إضافة إلى نشاط السوق السوداء، مؤكداً وجود عمليات تهريب، وإن كانت السلطات لا تملك حتى الآن تقديراً دقيقاً لحجمها.
أزمة السيولة… السبب الأعمق
ورغم أن نقص الوقود هو العنوان الأبرز للأزمة، فإن جذورها تمتد إلى الأزمة المالية التي تعانيها السلطة الفلسطينية.
فالمصارف الفلسطينية تواجه صعوبة في تحويل فائض الشيكل النقدي إلى البنوك الإسرائيلية، نتيجة القيود المفروضة على حجم هذه التحويلات، وهو ما أدى إلى تراكم السيولة النقدية داخل السوق المحلية، مقابل نقص في الأرصدة الإلكترونية التي تعتمد عليها الشركات في سداد التزاماتها المالية، بما في ذلك شركات استيراد الوقود.
وتضاف هذه المشكلة إلى الضغوط المالية الناتجة عن استمرار احتجاز إسرائيل جزءاً من أموال المقاصة، التي تشكل المصدر الرئيسي لإيرادات السلطة الفلسطينية، الأمر الذي أدى إلى تراجع قدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها المالية تجاه مختلف القطاعات.
جدل اقتصادي حول الحل الحكومي
ورغم إعلان الحكومة عن خطتها الجديدة، يشكك عدد من الخبراء في قدرتها على معالجة جذور الأزمة.
ويرى الخبير الاقتصادي الفلسطيني سمير حليلة أن أزمة الوقود ليست أزمة تنظيمية بقدر ما هي انعكاس مباشر للأزمة المالية التي تواجهها السلطة الفلسطينية.
وأشار إلى أن الجهة المسؤولة عن شراء الوقود فقدت السيولة اللازمة بعد استخدام أموالها في تغطية نفقات حكومية أخرى، معتبراً أن هذه الأزمة المالية هي السبب الأساسي وراء تعطل عمليات شراء الوقود.
كما استبعد أن يؤدي إنشاء شركة حكومية جديدة إلى منع تكرار الأزمة، موضحاً أن المشكلة تتعلق بتوفير التمويل واستدامة السيولة أكثر من ارتباطها بالشكل الإداري للمؤسسة التي تدير القطاع.
بين الإصلاح المالي وإدارة الأزمة
يرى مراقبون أن إنشاء شركة وطنية للمحروقات قد يسهم في تحسين إدارة القطاع إذا ترافق مع إصلاحات مالية ومؤسسية أوسع، إلا أن نجاح هذه الخطوة سيظل مرتبطاً بقدرة الحكومة على معالجة الاختلالات الهيكلية التي يعاني منها الاقتصاد الفلسطيني.
فاستمرار أزمة المقاصة، وتراكم السيولة النقدية، واعتماد الضفة الغربية الكامل على الواردات الإسرائيلية، كلها عوامل تجعل سوق المحروقات عرضة للتقلبات، حتى مع إدخال تغييرات على الهيكل الإداري للقطاع.
تحديات تتجاوز الوقود
تكشف أزمة الوقود عن هشاشة الوضع الاقتصادي في الضفة الغربية، حيث أصبحت الأزمات المالية تنعكس بسرعة على الخدمات الأساسية وسلاسل التوريد.
وفي ظل غياب حلول دائمة لأزمة الإيرادات والسيولة، تبدو الإجراءات الحكومية محاولة لاحتواء تداعيات الأزمة الحالية، أكثر من كونها معالجة نهائية للأسباب التي أدت إليها، بينما يبقى نجاح أي إصلاح مرهوناً بتحسن البيئة المالية والاقتصادية التي تعمل فيها السلطة الفلسطينية.






