غزة التي لم تلتقط أنفاسها بعد من حرب مدمّرة وحصار طويل، تجد نفسها اليوم أمام فصل جديد من الصراع، لا تُطلق فيه الصواريخ بل تُعاد فيه صياغة القرار والسيادة، ويُفترض أن تكون إعادة الإعمار بوابة للنجاة واستعادة الحياة، ولكن تتكشف خطط دولية مثيرة للجدل تضع مستقبل القطاع تحت وصاية سياسية ومالية خارجية، وتحول معاناة السكان إلى ورقة تفاوض في مشروع يُعاد رسمه من خلف الكواليس. في هذا المشهد المعقد، تبدو غزة مرة أخرى ساحة اختبار لإرادات القوى الكبرى، وسط تساؤلات حادة حول من يملك حق القرار، ومن يدفع ثمن «السلام» المقترح.
مسودة الميثاق للمجموعة المقترحة
وعن مجلس السلام، كشف تقرير نشرته صحيفة التلغراف، أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، طلب من الدول التي ترغب في الحصول على مكان في “مجلس السلام” الجديد الخاص بغزة أن تدفع مليار دولار (747 مليون جنيه إسترليني) والتي سيتحكم بها.
وذكرت وكالة بلومبرج أن مسودة الميثاق للمجموعة المقترحة، التي ستشرف على إعادة بناء قطاع غزة، تنص على أن يكون ترامب الرئيس الأول الذي سيتمتع بحق النقض على الأعضاء الجدد. وستقتصر عضوية الدول على ثلاث سنوات ما لم “تساهم بأكثر من مليار دولار أمريكي نقداً في مجلس السلام خلال السنة الأولى من دخول الميثاق حيز التنفيذ”.
بدأ البيت الأبيض في الكشف عن المسؤولين الذين سيشرفون على غزة كجزء من المرحلة الثانية من اتفاق السلام الذي أبرمه الرئيس الأمريكي. ويشمل هؤلاء السير توني بلير ، وستيف ويتكوف، مبعوث البيت الأبيض، وجاريد كوشنر، صهر ترامب. وسيشرف “مجلس تنفيذي” على إدارة الجيب لما بعد الحرب لصالح مجلس السلام ، وسيضم قادة عالميين آخرين من المتوقع الإعلان عنهم في دافوس الأسبوع المقبل.
تفكيك أزمات الملف الإنساني
الأيام المقبلة سوف تحدد مدى قدرة اللجنة على تنفيذ الاستحقاقات المتعلقة بتحسين الأوضاع على الأرض، في ظل استمرار إسرائيل في استهداف الفلسطينيين يومياً، إلى جانب بدء عمل اللجنة يعد «باكورة تفكيك أزمات الملف الإنساني مع تعنت إسرائيل في تطبيق البروتوكول الذي ينص عليه وقف إطلاق النار». حسب تصريحات المحلل السياسي الفلسطيني المقيم في قطاع غزة، عماد عمر، للشرق الأوسط.
الانخراط في أي خطوات إجرائية تستهدف التمهيد لإعادة الإعمار، يبقى رهن الدور الأميركي لدفع إسرائيل نحو المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار، وبدء عمل باقي الهيئات المنوط بها إدارة القطاع، بما فيها «مجلس السلام» و«قوة الاستقرار»، فضلا عن أن مهمة «لجنة التكنوقراط» تتمثل في تقديم الخدمات، وتفكيك الأزمة الإنسانية، وإعادة تشغيل الصحة والتعليم، وإصلاح البنية التحتية، وضبط الأمن، وتأمين وصول المساعدات. حسب المحلل السياسي.
إعادة إعمار غزة لا تحتمل التأجيل
التحركات الأخيرة بشأن إعادة الإعمار يمكن أن يتمثل في الضغط على إسرائيل لسماحها بدخول المعدات الثقيلة لإزالة الركام واستخراج جثامين الفلسطينيين، إلى جانب تهيئة البنية التحتية في الشوارع، وإيجاد حلول لأزمات الصرف الصحي. وفقا لـ عماد عمر.
وفي ذات السياق، حذر المدير التنفيذي لمكتب الأمم المتحدة لخدمات دعم المشاريع، خورخي موريرا دا سيلفا، من أن إعادة إعمار غزة لا تحتمل التأجيل، وذلك عقب عودته من مهمته الثالثة إلى القطاع الفلسطيني الذي دمرته سنتان من الحرب، مشيراً إلى أن الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي قدّرت الاحتياجات بأكثر من 52 مليار دولار. حسب الشرق الأوسط.
اعتراض حركة الجهاد الإسلامي
يشير الميثاق الخاص بالمجموعة، والذي تم إرساله يوم السبت إلى عشرات رؤساء الدول مع دعوة للانضمام إلى مجلس الإدارة، إلى أن السيد ترامب يحاول إنشاء منظمة تنافس الأمم المتحدة. يوصف المجلس بأنه “منظمة دولية تسعى إلى تعزيز الاستقرار، واستعادة الحكم الرشيد والقانوني، وضمان السلام الدائم في المناطق المتضررة أو المهددة بالصراع” في الميثاق، وسيصبح رسميًا إذا قدمت ثلاث دول أعضاء دعمها. ولم يصدر أي تعليق من مسؤولي البيت الأبيض حتى الآن.
وانتقدت حركة الجهاد الإسلامي، وهي الجماعة الفلسطينية المسلحة، تشكيل اللجنة، مدعيةً أنها تخدم مصالح إسرائيل. وقالت المجموعة في بيان لها إن المجلس “جاء وفقاً للمعايير الإسرائيلية ولخدمة مصالح الاحتلال، في مؤشر واضح على وجود نوايا سيئة مسبقة بشأن تنفيذ بنود اتفاق [وقف إطلاق النار]”.
وقال البيت الأبيض إن المجلس “سيساعد في دعم الحوكمة الفعالة وتقديم أفضل الخدمات التي تعزز السلام والاستقرار والازدهار”. يختلف المجلس التنفيذي لغزة عن المجلس التنفيذي، الذي يضم العديد من الأعضاء أنفسهم ولكنه سيوفر إشرافاً أوسع على مشروع إعادة الإعمار بأكمله.
خطة تشبه الهيكل الاستعماري
وجاءت الانتقادات الموجهة لهذه التعيينات وسط تقارير تفيد بأن البيت الأبيض كان يعمل على خطط لكي يتولى مجلس السلام في نهاية المطاف قضايا عالمية أخرى مثل الحرب في أوكرانيا وعدم الاستقرار السياسي في فنزويلا . وتدعو الوثيقة، التي حصلت عليها صحيفة هآرتس الإسرائيلية، إلى “هيئة دولية لبناء السلام أكثر مرونة وفعالية”، مضيفة أن السلام الدائم يتطلب “الشجاعة للتخلي عن المؤسسات التي فشلت في كثير من الأحيان”.
من المتوقع أن يعقد مجلس السلام اجتماعات تصويت سنوية مع جدول أعمال يوافق عليه الرئيس الأمريكي “في أوقات وأماكن إضافية يراها الرئيس مناسبة”، وفقًا لمسودة الميثاق. ستعقد اجتماعات منتظمة مع مجلسها التنفيذي كل ثلاثة أشهر دون الحاجة إلى تصويت الدول الأعضاء.
وقد قال النقاد إن خطط ترامب للإشراف على إدارة إقليم أجنبي تشبه الهيكل الاستعماري، في حين تعرضت مشاركة السير توني لانتقادات العام الماضي بسبب دوره السابق في حرب العراق وتاريخ الإمبريالية البريطانية في الشرق الأوسط.





